والفواحش: جمع فاحشة، والأصل في الفحش الزيادة عن الأمر المعتدل، والفاحش هو الزائد عن المعقول، ولذا يقال غبن فاحش أي زائد عن الحد المعقول في الصفقة؛ إذ لَا يدخل في تقويم المقومين، والفواحش هي المعاصي لأنها انحراف، وزيادة عن الفطرة وخروج عن منهاجها، وعن الطريق المستقيم، والظاهر ما يعلن، ويجهر به، والجهر بالمعصية في ذاته حرام، وما بطن أي وما استتر ولم يجهر به، وهو إثم، ولكنه دون إثم المجاهرة، ومن يجهر بالمعاصي، فإن ما يفعله إثمان إثم الفعل وإثم المجاهرة، ولقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن من أشد الناس بعدا عن الله المجاهرين"قيل: ومن هم؟ قال:"ذلك الذي يعمل عملا بالليل قد ستره الله فيصبح يقول فعلت كذا وكذا يكشف ستر الله"، ولقد قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الشافعي:"يا معشر الناس من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فاستتر فهو في ستر الله ومن أبدى صفحته أقمنا عليه الحد".
ومن المعاصي ما يستتر استتارا؛ لأنه خلجات القلوب ولم يظهر في العمل لَا لعدول صاحبها، ولكنه فوجئ ما فوت عليه مقصده كمن بيت الاعتداء، أو الزنى، واتجه إلى الفعل، ولكن فات عليه ارتكابها لأمر خارج عن إرادته، فإنه يكون قد أبْطن معصيته، ولكن لم يُمكَّن من ارتكابها رغما عنه لَا مريدا، فإن من الآثام ما يكون باطنا، وعليه الإثم، وكمن يهاجر إلى مكان لَا يريد الهجرة لله أو لعمل صالح، ولكن يريد الفسق والفجور أو البغي، فإن هذا يكون فاحشة مما بطن. وهذا النص مثل قوله تعالى: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ. . .) .
وقد يسأل سائل، إن هذا النص القرآني وما يشبهه فيه نص على المؤاخذة على ما في النفس وما يبطن، مع أن الحديث بأن الله تعالى لَا يؤاخذ على ما يحدث المرء به نفسه، وقال عليه الصلاة والسلام:"من هم بحسنة فلم يفعلها كتبت له حسنة، ومن همَّ بسيئة فلم يفعلها لم يكتب عليه شيء"، فإن هذا حديث النفس أو همُّها، من غير أن تشرع بعمل، بل عدل من تلقاء نفسه.