(ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أَيْ ذَلِكُمُ الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ صِرَاطِ الْحَقِّ الْمُسْتَقِيمِ ، وَالنَّهْيِ عَنْ سَبِيلِ الضَّلَالَاتِ وَالْأَبَاطِيلِ الْمُعْوَجَّةِ ، وَهُوَ جَامِعُ الْوَصَايَا النَّافِعَةِ الْبَعِيدَةِ الْمَرْمَى ، الْمُوصِلُ إِلَى مَا لَا يُحِيطُ بِهِ الْوَصْفُ مِنَ السَّعَادَةِ الْعُظْمَى ، وَصَّاكُمُ اللهُ بِهِ لِيُعِدَّكُمْ وَيُهَيِّئَكُمْ لِمَا يُرْجَى لِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنِ اتِّقَاءِ كُلِّ مَا يُشْقِيهِ وَيُرْدِيهِ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ . قَالَ أَبُو حَيَّانَ: وَلَمَّا كَانَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الْجَامِعَ لِلتَّكَالِيفِ ، وَأَمَرَ سُبْحَانَهُ بِاتِّبَاعِهِ وَنَهَى عَنِ اتِّبَاعِ غَيْرِهِ مِنَ الطُّرُقِ خَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّقْوَى الَّتِي هِيَ اتِّقَاءُ النَّارِ ; إِذْ مَنِ اتَّبَعَ صِرَاطَهُ نَجَا النَّجَاةَ الْأَبَدِيَّةَ وَحَصَلَ عَلَى السَّعَادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ .
وَأَقُولُ: إِنَّ كَلِمَةَ التَّقْوَى تَشْمَلُ كُلَّ مَا يُتَّقَى مِنَ الضَّرَرِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ مَهْمَا يَكُنْ نَوْعُهُ وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي التَّنْزِيلِ فِي سِيَاقِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ عِبَادَاتٍ وَمُعَامَلَاتٍ ، وَآدَابٍ وَقِتَالٍ ، وَسُنَنِ اجْتِمَاعٍ ، وَطَعَامٍ وَشَرَابٍ ، وَعِشْرَةٍ وَزَوَاجٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَهِيَ تُفَسَّرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسَبِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ . وَهِيَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ تَشْمَلُ جَمِيعَ الْأَنْوَاعِ لِأَنَّهَا جَاءَتْ فِي سِيَاقِ اتِّبَاعِ صِرَاطِ اللهِ الْمُسْتَقِيمِ الشَّامِلِ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْهِدَايَةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ .