ومنها أن الغزالي رحمه الله تكلف وقال: حاصل الآية يرجع إلى أن موسى أنزل الله عليه شيئاً ، وأحد من البر ما أنزل الله عليه شيئاً فينتج من الشكل الثاني أن موسى ما كان من البشر وهذا خلف محال ، وليس هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ولا بحسب صحة المقدمة الأولى فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية وهي قولهم {ما أنزل الله على بشر من شيء } فوجب القول بكونها كاذبة فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني ، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف . ثم اعلم أنه سبحانه وصف كتاب موسى بكونه نوراً وهدى للناس والعطف يقتضي المغايرة . فالمراد بالنور ظهوره في نفسه . وبالهدى كونه سبباً لظهور غيره كقوله في وصف القرآن {ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى: 52] قال أبو علي الفارسي {يجعلونه قراطيس} أي ذات قراطيس أي يودعونه إياها . فإن قيل: إذا كان جميع الكتب كذلك فلم ذكر في معرض الذم؟ قلنا: لأنهم جعلوه قراطيس مفرقة مبعضة ليتوسلوا بذلك إلى إبداء بعض وإخفاء بعض مما فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم ، أو شيء من الأحكام التي لا توافق هواهم كالرجم وغيره {وعلمتم} أيها اليهود على لسان محمد صلى الله عليه وسلم {ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم أن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ، وقيل: كانوا يقرؤن الآيات المشتملة على نعت محمد صلى الله عليه وسلم وما كانوا يفقهون معانيها إلى أن بعث الله محمداً ، فظهر أن المراد منها هو البشارة بمقدمه ، وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش كقوله {لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم} [يس: 6] {قل الله} أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون على أن ينكروا ذلك فإن العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف المؤيد قول صاحبه بالمعجزات الباهرة لا يكون إلا من الله سبحانه . ونظره