{قل: إن هدى الله هو الهدى} ..
هو وحده الهدى - كما يفيد التركيب البياني للجملة - وإنه لكذلك عن يقين..
وإن البشرية لتخبط في التيه ، كلما تركت هذا الهدى ، أو انحرفت عن شيء منه واستبدلت به شيئاً من تصوراتها هي ومقولاتها ، وأنظمتها وأوضاعها ، وشرائعها وقوانينها ، وقيمها وموازينها ، بغير"علم"ولا"هدى"ولا"كتاب منير"..
إن"الإنسان"موهوب من الله القدرة على تعرف بعض نواميس الكون وبعض طاقاته وقواه ، للانتفاع بها في الخلافة في الأرض ، وترقية هذه الحياة.. ولكن هذا الإنسان ذاته غير موهوب من الله القدرة على استكناه الحقائق المطلقة في هذا الكون ، ولا على الإحاطة بأسرار الغيوب التي تلفه من كل جانب ، ومنها غيب عقله هو وروحه ، بل غيب وظائف جسمه والأسباب الكامنة وراء هذه الوظائف ، والتي تدفعها للعمل هكذا ، وبهذا الانتظام ، وفي هذا الاتجاه.
ومن ثم يحتاج هذا"الإنسان"إلى هدى الله في كل ما يختص بكينونته وحياته من عقيدة وخلق ، وموازين وقيم ، وأنظمة وأوضاع ، وشرائع وقوانين تحكم هذه الكينونة وتنظم لها واقع الحياة..
وكلما فاء هذا"الإنسان"إلى هدى الله اهتدى. لأن هدى الله هو الهدى. وكلما بعد كلية عنه ، أو انحرف بعض الانحراف واستبدل به شيئاً من عنده ضل. لأن ما ليس من هدى الله فهو ضلال.. إذ ليس هنالك نوع ثالث {فماذا بعد الحق إلا الضلال؟} .
ولقد ذاقت البشرية من ويلات هذا الضلال - وما تزال كلها تذوق - ما هو"حتمي"في تاريخ البشرية حين تنحرف عن هدى الله.. فهذه هي"الحتمية التاريخية"الوحيدة المستيقنة لأنها من أمر الله ، ومن خبر الله ، لا تلك الحتميات المدعاة! والذي يريد أن يتملى شقاء البشرية في انحرافها عن هدى الله ، لا يحتاج أن ينقب ، فهو حوله في كل أرض تراه الأعين وتلمسه الأيدي ، ويصرخ منه العقلاء في كل مكان.