قضية واحدة محددة ، لا تقبل ليناً ولا تميعاً.. إما إفراد الله سبحانه بالتوجه والتلقي والطاعة والخضوع والعبادة والاستعانة ؛ والإقرار له وحده بالحاكمية في كل أمر من هذه الأمور ورفض إشراك غيره معه فيها ؛ وولاء القلب والعمل ، في الشعيرة والشريعة له وحده بلا شريك.. إما هذا كله فهو الإسلام.. وإما إشراك أحد من عباده معه في شيء من هذا كله فهو الشرك. الذي لا يجتمع في قلب واحد مع الإسلام.
لقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن هذا الاستنكار في وجه المشركين الذين كانوا يدعونه إلى الملاينة والمداهنة ؛ ليجعل لآلهتهم مكاناً في دينه ، مقابل أن يدخلوا معه في هذا الدين. وليترك لهم بعض خصائص الألوهية يزاولونها إبقاء على مكانتهم وكبريائهم ومصالحهم ، .. وأولها تقاليد التحريم والتحليل.. في مقابل أن يكفوا عن معارضته ، وأن يجعلوه رئيساً فيهم ؛ ويجمعوا له من مالهم ، ويزوجوه أجمل بناتهم!
لقد كانوا يرفعون يداً للإيذاء والحرب والتنكيل ، ويمدون يداً بالإغراء والمصالحة واللين..
وفي وجه هذه المحاولة المزدوجة أُمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقذف بهذا الاستنكار العنيف ، وبهذا الحسم الصريح ، وبهذا التقرير الذي لا يدع مجالاً للتمييع.
وأمر كذلك أن يقذف في قلوبهم بالرعب والترويع ؛ في الوقت الذي يعلن فيه تصوره لجدية الأمر والتكليف ولخوفه هو من عذاب ربه ، إن عصاه فيما أمر به من الإسلام والتوحيد:
{قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه ، وذلك الفوز المبين} ..
إنه تصوير لحقيقة مشاعر الرسول - صلى الله عليه وسلم - تجاه أمر ربه له ؛ وتجسيم لخوفه من عذابه. العذاب الذي يعتبر مجرد صرفه عن العبد رحمة من الله وفوزاً مبيناً. ولكنه في الوقت ذاته حملة مزلزلة على قلوب المشركين في ذلك الزمان ، وقلوب المشركين بالله في كل زمان.