فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ نَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنْ الْمَأْدُبَةِ وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلْ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ الْمَأْدُبَةِ ، فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهُهَا ، وَفِيهِ قَالُوا: فَالدَّارُ الْجَنَّةُ وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِمْ {أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي ثَبَتَتْ تَسْمِيَتُهُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَأَيْضًا فِي سُورَةِ الْجِنِّ {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الدُّعَاءُ بِمَعْنًى آخَرَ .
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الَّذِي قَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ سُورَةُ الْجِنِّ وَقِيلَ: سُورَةُ الرَّحْمَنِ .
(الثَّالِثُ) أَنَّ إسْنَادَ الدُّعَاءِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقِيقَةٌ وَإِلَى الْقُرْآنِ مَجَازٌ وَالْحَقِيقَةُ أَوْلَى .
فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ دَاعِيَ اللَّهِ هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَفَى .
ثُمَّ نَقُولُ: الضَّمِيرُ فِي {وَآمِنُوا بِهِ} عَائِدٌ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ الْكِتَابِ وَالْقُرْآنِ وَعَوْدُهُ فِي سُورَةِ الْجِنِّ عَلَيْهِ لِتَقَدُّمِهِ دُونَ غَيْرِهِ ، هَذِهِ الْعِلَّةُ مَفْقُودَةٌ هُنَا .
وَقَوْلُ السَّائِلِ وَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ .