البدن ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه انتهى. وفيه ما لا يخفى من الضعف وقد بينا
هناك وهنه وضعفه وأقواها أن يفوض عمله إلَى اللَّه تَعَالَى كما قال الله تَعَالَى:(ويَسْأَلُونَكَ
عن الروح قيل الروح من أمر ربي)الآية. عَلَى توجيه، والْمُرَاد بالتزكية
التطهير ولذا عدي بـ (عن) فقال (عن الرذائل) أي الملكات [الرديئة] الملكة والمعاصي المردئة
والأخلاق الذميمة كالكفر والكبر والحسد والعجب.
قوله: (وتحليتها) بالحاء المهملة ولو قال فيما مَرَّ تخلية النفس بالخاء الْمُعْجَمَة لكان
أحسن سبكًا وأعجب نظمًا (بالأخلاق السنية والملكات الفاضلة) عطف العام عَلَى الخاص
إذ الأخلاق من الملكات وهي الكيفيات النفسانية، والْمُرَاد بالفاضلة ما هي مبدأ الْكَمَال كما
أن الْمُرَاد بالرذائل ما هي مبدأ لما هُوَ نقصان قدم الأول؛ إذ التخلية مقدمة عَلَى التحلية وفي
عدها من النعم الكسبية تنبيه عَلَى أن الأخلاق قابلة للتغير كما ذهب إليه أهل السنة لورود
الشرع به كالنهي عن الكبر والحسد ولو لم تكن قابلة له لما وقع النهي عن ذلك خلافًا
للمعتزلة قوله وتحليتها الخ. إشَارَة إلَى تكميل الْقُوَّة النظرية بالعلم وإلى تكميل الْقُوَّة العملية
بالْأَعْمَال المرضية كما أشار إليه في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (قَدْ أَفْلَحَ من زكاها)
لكن في عموم الملكات إلَى الْأَعْمَال الصالحة تأمل.
قوله: (وتزيين البدن) شروع في بيان القسم الجسماني توضيحه وتخلية البدن عن
الهيئات القبيحة وتزيينه (بالهيئات المطبوعة) وهذا موافق لما سبق لكن ترك الأول لكونه
مفهومًا من الثاني والمطبوعة أي المقبولة الراجحة المقبولة في ميزان الطبيعة قيل وقال
المرزوقي الشعر منه مصنوع ومطبوع فلا عبرة بإنكار بعضهم له كتطهير البدن عن الأوساخ
وقص الشارب وقلم الأظفار ونحو ذلك مما يورث البدن حسنا وزينة (والحلي المستحسنة)
الحلي بكسر الحاء مقصورا جمع حلية بكسر الحاء وسكون اللام أو بضم الحاء وكسر اللام
وهي الزينة المجاورة للبدن المنفكة عنه كاللباس الفاخر والخاتم وغير ذلك من أنواع الحلي
للرجال والنساء (وحصول الجاه والمال) عطف عَلَى تزيين البدن وكونه نعمة كسبية ليس
على إطلاق بل إذا كان وسيلة إلَى تَحْصيل الميراث وحفظ الحدود في عموم الأوقات وإلا
فكم من جاه ومال يردي صاحبه في [الحال] ، إلا أن يقال إن الروح الْإنْسَاني يتلذذ بهما فيهما
من أجل النعم عنده وإن كان مؤديًا إلَى خسرانه دمر الله من أصر عَلَى إساءته بحسب جاهه
وماله فعلم مما ذكرنا أن حصولهما من النعم الروحانية التي لا لذة له فوقها. وقيل إنه مشترك
بين الروحاني والجسماني لكونه ذريعة إلَى تهذيب النفس والبدن انتهى. وكونه ذريعة إلَى
تهذيب البدن وتزيينه مسلم لكن الثاني ليس بكلي. وقيل إن هذا نعمة كسبية غير متعلقة
بالنفس ولا بالبدن كالقسمين السابقين انتهى. فحِينَئِذٍ يكون الْأَقْسَام ثلاثة ويعين عطفه عَلَى
تزيين النفس، وأما في الاحتمالين فيحتمله وكأنه نظر إلَى أن الروح لا يحصل له كيفية حسنة
كما في الأول، وأما من ذهب إلَى الأول نظر إلَى أن الروح يتلذذ به كمال التلذذ وإن لم
يتعلق به فالأخرى ما جنح إليه القيل فإن ما يتعلق بالبدن يتلذذ به الروح أَيْضًا ثم الأولى
تَحْصيل الجاه والمال كما اختار التزيين.