وجه المناسبة بقوله: (وهي) أي النعمة بفتح النون (اللين) أي الملائمة ضد الخشونة صوريا
كما في الثوب الحرير والبدن الناعم أو معنويًا كطيب العيش والصحة وغير ذلك من نعم
بضم العين أي صار ناعمًا أي لينا ومنها النعومة والتنعم يقال كم ذي نعمة لا نعمة له بالفتح
على الجناس المحرف أي لا تنعم له والمناسبة بين المأخوذ والمأخوذ منه جلية قيل وفي
بعض النسخ وهي الدين فكأنه تصحيف اللين وفي بعضها من نعمة الْإسْلَام وهي الدين
انتهى. وهذه النسخة الأخيرة وإن لم تكن تصحيفًا لكن لا يلائم قوله ونعم الله تَعَالَى إلا أن
يقال إن من فاز بنعمة الْإسْلَام فقد فاز بحذافيرها لاشتمالها عَلَى سعادة الدارين واستلزامها
النجاة عن وخامة الكونين ثم عَلَى هذه النسخة قوله من النعمة بيان لما في قوله يستلذه
الْإنْسَان فيكون بكسر النون لا بفتحها فيفوت بيان الاشْتقَاق فالنسخة الأولى هي الأولى.
قوله: (ونعم الله تَعَالَى) إضَافَتها إليه للشريف وللتنبيه عَلَى أن النعم كلها من عنده
ولو ظهرت من يد غيره ولتقبيح من عزاها إلَى ما سواه (وإن كانت لا تحصى) أي لا تضبط
بعدد (كما قال) أي الله تَعَالَى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) الآية.
والْمَعْنَى أن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ولا تطيقوا عد أنواعها فضلًا عن إفرادها فإنها غير
متناهية فعلم أن قوله وإن كانت لا تحصى معناه لا يحصى نوعها قيل في بيانه: لأن ما
يوقف عليه وجود الشيء الذي هُوَ أشرف النعم وإن وجب كون ما هُوَ من الأمور الوجودية
متناهية لوجوب تناهي ما دخل تحت الوجود لكن الأمور العدمية التي لها دخل في وجوده
ليست كَذَلكَ، وإنَّمَا الاستحالة في دخولها تحت الوجود فارتفاع تلك الموانع التي لا تتناهى
أعني بقاءه عَلَى العدم مع إمكان وجودها في نفسها في كل آنٍ من آنات وجوده. نعم غير
متناهية حَقيقَة لا ادعاء وكذا الحال في وجودات علله وشرائطه القريبة والبعيدة ابتداء وبقاء
وكذا في كمالاته التابعة لوجوده فاتضح أنه تَعَالَى يفيض عليه كل آنٍ نعمًا لا تتناهى من
وجوه شتى انتهى. فعلى هذا يكون الْمُرَاد بالغير المتناهي الغير المتناهي بالْفعْل وهو غير
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: ونعم الله وإن كانت لا تحصى الخ. وفي التأويلات النجمية النعم إما ظاهرة كإرسال
الرسل وإنزال الكتب وتوفيق قبول دعوة الرسل واتباع السنة واجتناب البدعة وانقياد النفس للأوامر
والنواهي والثبات عَلَى قدم الصدق ولزوم العُبُوديَّة وإما باطنة وهي ما أنعم الله عَلَى أرواحهم في
بداية الفطرة بإصابة رشاش نوره كما قال عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:"إنَّ اللَّهَ خلق الخلق في ظلمة ثم"
رش عليهم من نوره فمن أصاب ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأ فقد ضل وأول الغيث رش ثم
ينسكب"وأقول، فعلى هذا كان الْمُصَنّف رحمه الله أن يقول في التقسيم هكذا دنيوي وأخروي"
فالأول قسمان موهبي وكسبي الخ. والثاني قسمان ظاهري وباطني ليكون التقسيم حاصرًا لجميع
أقسام النعم وهذا القسمان أعني القسم الظاهري والباطني الْمَذْكُور في التَّفْسير النجمي وإن كانا مما
أولى في الدُّنْيَا لكن كونهما نعمة إنما هُوَ بالنسبة إلَى ثمرتهما في الْآخرَة وتأديهما إلَى النعم
الْأُخْرَويَّة فهما بهذا الاعتبار من النعم الْأُخْرَويَّة إلا أن الْمُصَنّف رحمه الله جعلهما من النعم
الدنيوية حيث قال والموهبي قسمان الخ. نظرًا إلَى أنهما من النعم من الموهوبة في الدُّنْيَا حالا وإن
كانا من الْأُخْرَويَّة مآلًا.