والجواب: لأن الكبير العظيم لا يطلب منه الشيء الحقير اليسير ، حكي أن بعضهم ذهب إلى بعض الأكابر فقال: جئتك لمهم يسير فقال: اطلب للمهم اليسير رجلاً يسيراً ، كأنه تعالى يقول: لو اقتصرت على ذكر الرحمن لاحتشمت عني ولتعذر عليك سؤال الأمور اليسيرة ، ولكن كما علمتني رحماناً تطلب مني الأمور العظيمة ، فأنا أيضاً رحيم ؛ فاطلب مني شراك نعلك وملح قدرك ، كما قال تعالى لموسى:"يا موسى سلني عن ملح قدرك وعلف شاتك".
الفائدة الثالثة: وصف نفسه بكونه رحماناً رحيماً ، ثم إنه أعطى مريم عليها السلام رحمة واحدة حيث قال: {وَرَحْمَةً مّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً}
[مريم: 21] فتلك الرحمة صارت سبباً لنجاتها من توبيخ الكفار الفجّار ، ثم أنا نصفه كل يوم أربعة وثلاثين مرة أنه رحمن وأنه رحيم ، وذلك لأن الصلوات سبع عشرة ركعة ، ويقرأ لفظ الرحمن الرحيم فِي كل ركعة مرتين مرة فِي بسم الله الرحمن الرحيم ومرة فِي قوله: {الحمد للَّهِ رَبّ العالمين الرحمن الرحيم}
[الفاتحة: 1 ، 2] فلما صار ذكر الرحمة مرة واحدة سبباً لخلاص مريم عليها السلام عن المكروهات أفلا يصير ذكر الرحمة هذه المرات الكثيرة طول العمر سبباً لنجاة المسلمين من النار والعار والدمار ؟ .
الفائدة الرابعة: أنه تعالى رحمن لأنه يخلق ما لا يقدر العبد عليه ، رحيم لأنه يفعل ما لا يقدر العبد على جنسه ، فكأنه تعالى يقول: أنا رحمن لأنك تسلم إلى نطفة مذرة فأسلمها إليك صورة حسنة ، كما قال تعالى: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ}
[غافر: 64] وأنا رحيم لأنك تسلم إلى طاعة ناقصة فأسلم إليك جنة خالصة.