(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) جَعَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ ذَيْلًا لِهَذَا السِّيَاقِ بَيَّنَ فِيهِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْضُرَ الْقُلُوبَ بَعْدَ تِلْكَ الْعِبَرِ وَالْأَحْكَامِ ، فَقَالَ مَا حَاصِلُ الْمُرَادِ مِنْهُ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَيُّهَا السَّامِعُ لِهَذَا الْخِطَابِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فِيهِمَا بِالْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ ، وَالرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ ، فَكَانَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ اسْمِهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ أَنْ وَضَعَ هَذَا الْعِقَابَ لِكُلِّ مَنْ يَسْرِقُ مَا يُعَدُّ بِهِ سَارِقًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ، كَمَا وَضَعَ ذَلِكَ الْعِقَابَ لِلْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ ، وَمِنْ مُقْتَضَى اسْمِهِ الْغَفُورِ الرَّحِيمِ أَنْ يَغْفِرَ لِمَنْ تَابَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَيَرْحَمَهُ إِذَا صَدَقَ فِي التَّوْبَةِ وَأَصْلَحَ عَمَلَهُ ; فَهُوَ بِمُقْتَضَى أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ تَعْذِيبَهُ مِنَ الْجُنَاةِ ؛ تَرْبِيَةً لَهُ وَتَأْمِينًا لِعِبَادِهِ مِنْ شَرِّهِ ، وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ مِنَ التَّائِبِينَ وَالْمُصْلِحِينَ بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ ؛ تَرْغِيبًا لِعِبَادِهِ فِي تَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ ، وَإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهُمْ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ التَّعْذِيبِ وَالرَّحْمَةِ قَدِيرٌ ، لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي تَدْبِيرِ مُلْكِهِ .