فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ الْعَظِيمِ فِي الْآخِرَةِ ; وَلِذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ بِهَذِهِ التَّوْبَةِ أَهْلًا لِمَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ ، فَقَالَ: (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أَيْ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ يَغْفِرُ لَهُمْ مَا سَلَفَ ، وَيَرْحَمُهُمْ بِرَفْعِ الْعِقَابِ عَنْهُمْ ، وَهَلِ الَّذِي يَرْتَفِعُ عَنْهُمْ عِقَابُ الْآخِرَةِ فَقَطْ كَمَا قَالُوا فِي تَوْبَةِ السَّارِقِ ؟ (وَسَيَأْتِي حَدُّهُ وَحُكْمُهُ بَعْدَ ثَلَاثِ آيَاتٍ) أَمْ يَرْتَفِعُ عَنْهُمْ
حَقُّ اللهِ كُلُّهُ مِنْ عِقَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَلَا يَبْقَى عَلَيْهِمْ إِلَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ ؟ وَإِذًا يَكُونُ لِمَنْ سَلَبَ التَّائِبُ أَمْوَالَهُمْ أَيَّامَ إِفْسَادِهِ أَنْ يُطَالِبُوهُ بِهَا ، وَلِمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدًا أَنْ يُطَالِبُوهُ بِدَمِهِ ، وَلَهُمُ الْخِيَارُ كَغَيْرِهِمْ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَالْعَفْوِ ، أَمْ تَسْقُطُ عَنْهُمْ حُقُوقُ اللهِ كُلُّهَا ، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ كُلُّهَا أَيْضًا ؟ احْتِمَالَاتٌ آخِرُهَا أَضْعَفُهَا ، وَأَوْسَطُهَا أَقْوَاهَا ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الصَّحَابَةِ إِسْقَاطُ الْحَدِّ عَمَّنْ تَابَ ، وَلَكِنْ لَمْ يَرِدْ أَنَّ أَحَدًا تَقَاضَى التَّائِبَ حَقًّا ، وَلَمْ يَسْمَعْ لَهُ الْإِمَامُ . وَإِذَا جَازَ إِسْقَاطُ الْحَدِّ مُطْلَقًا عَنِ التَّائِبِ فَلَا يَجُوزُ إِسْقَاطُ الْمَالِ عَنْهُ مُطْلَقًا ؛ بَلْ يَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ تَوْبَتَهُ لَا تَصِحُّ إِلَّا إِذَا أَعَادَ الْأَمْوَالَ الْمَسْلُوبَةَ إِلَى أَرْبَابِهَا ، فَإِذَا رَأَى أُولُو الْأَمْرِ إِسْقَاطَ حَقٍّ مَالِيٍّ عَنِ الْمُفْسِدِينَ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ وَجَبَ أَنْ يَضْمَنُوهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .