وإرادة المسبب أو بطَريق الاسْتعَارَة التمثيلية وإلى كلا الوَجْهَيْن أشار في تفسير
(يخادعون الله) ، الآية. وفي تفسير الغضب اكتفى بالأول وهنا الْمُتَبَادَر من كلامه
حيث قال باعْتبَار الغايات الاقتصار عَلَى الأول لكن في حد ذاته يحتمل الوَجْهَيْن وتوضيح
التمثيل أنه شبه الهيئة المنتزعة من معاملة الله المرحومين وإيصال الخير إليهم وإيصالهم إلَى
مبتغاهم وتخليصهم عن الذي يسوؤهم بالهيئة المنتزعة من حال الملك إذا عطف عَلَى
رعاياه ولطف بهم فأصابهم بأنواع الإحسان إليهم وتخليصهم عَمَّا يضرهم ويسوؤهم
فاستعمل الْكَلَام الموضوع للمشبه به في المشبه وهذا وإن لم يساعده ظَاهر كلامه لكن لا
كلام في حسنه وبراعته في البلاغة والغرابة.
قوله: (التي هي أفعال دون المبادي) ولو ترك قوله أفعال لكان أشمل؛ إذ الرحمة كما
تؤول بالإنعام الذي هُوَ من الأفعال تؤول بإرادة الخير التي هي صفة ذاتية لا فعلية كما
فصل في شرح الأسماء الحسنى، وأَيْضًا الرقة سبب للإرادة أولًا وللإنعام ثانيا فالتَّجَوُّز في
الأول والحمل عليه أولى وكذا ترك قوله (التي تكون انفعالات) . أما أولًا فلأن الرقة ونحوها
من الكيفيات النفسانية لا من قبيل الانفعالات. وقيل الْمُرَاد بالانفعال ما لَيسَ بفعل فيعم
الكيفيات وهو ضعيف؛ إذ إدخال أحد المتقابلين في الآخر يحتاج إلَى عناية، وأما ثانيًا فلان
الأوصاف التي يستحيل اتصافه تَعَالَى بها يراد بها منتهاها سواء كانت انفمالًا كالرحمة
والحياء والغضب إن سلم كون ذلك انفعالًا أولا كالاسْتهْزَاء والمكر والخداع، فالأولى دون
المبادي التي يستحيل اتصافه تَعَالَى بها.
قوله: (والرحمن أبلغ من الرحيم) إما من المُبَالَغَة كما هُوَ مذهب الأخفش أو من
البلاغة والْقَوْل بأنه لَيسَ من البلاغة لأن البَلَاغَة لا يوصف بها المفرد انتهى. مدفوع بأن
الْمُرَاد الْكَلَام لأنه جعل وصفا له تَعَالَى فهو في قوة الخبر كأنه قيل الله رحمن ورحيم قوله
من حيث إنه لا يوصف به غيره تَعَالَى قرينة قوية عَلَى ما قلنا وكذا قوله يا رحمن الدُّنْيَا الخ.
وقيل الرحيم أبلغ لتأخّره ويؤيده قول ابن المبارك الرحمن إذا سئل أعطى والرحيم إذا لم
يسأل غضب وفيه نظر. وقيل هما سواء. وقيل كل أبلغ من وجه انتهى. والمص لم يلتفت
إلى هذه الأقاويل بل أَشَارَ إلَى تزييفها في أثناء إثبات ما اختاره.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
بالرحمة وهو أن الرحمة بر الأصل تنبئ عن الرقة والانعطاف وكلاهما من صفات الجسمانيات
فَكَيْفَ يوصف ذات الله تَعَالَى المقدسة بالرحمة فخلاصة الْجَوَاب أن الرحمة هنا مجاز في معنى
التَّفْضيل والإنعام فإن رقة القلب والانعطاف النفساني يلزمهما عادة التفضل عَلَى من يرق عليه
القلب وينعطف إليه ولما اشتمل معناها الحقيقي عَلَى معنى الانفعال الجسماني صير عند وصف
الذات بها إلَى معنى الْمَجَاز فأريد بها غاية تلك الرقة والانعطاف التي هي الإنعام اللازم لهما.