79 -والخطاب في قوله: {مَا أَصَابَكَ} للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن المراد غيره؛ أي: أيُّ شيء أصابك وأتاك أيها الإنسان {مِنْ حَسَنَةٍ} ؛ أي: من نعمة من النعم التي أنعم الله بها عليك {فـ} هي أتت {مِنَ اللَّهِ} سبحانه وتعالى بالذات تفضلًا وإحسانًا منه، من غير استيجاب لها من قبلك، {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ} ؛ أي: وأيُّ شيء أصابك وأتاك من بلية من البلايا {فَمِنْ نَفْسِكَ} ؛ أي: فتلك السيئة أتت من نفسك، بسبب اقترافك المعاصي الموجبة لها، وإن كان الخلق من الله، وعن عائشة - رضي الله عنها -:"ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها، وحتى انقطاع شسع نعله، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر".
وحاصل المعنى: أن كل حسنة تصيبك أيها المؤمن فهي من فضل الله وجوده، فهو الذي سخر لك المنافع التي تتمتع بها وتحسن لديك، فقد سخر لك الهواء الذي يحفظ الحياة، والماء العذب الذي يمد كل الأحياء وأزواج النبات والحيوان وغيرهما من مواد الغذاء، وأنعم عليك بوسائل الراحة والهناء، وكل سيئة تصيبك فهي من نفسك، فإنك بما أوتيت من قدرة على العمل، واختيار في درء المفاسد، وجلب المنافع، وترجيح لبعض المقاصد على بعض، قد تخطئ في معرفة ما يسوء وما ينفع؛ لأنك لا تضبط إرادتك وهواك، ولا تحيط علمًا بالسنن والأسباب، فأنت ترجح بعضًا على بعض، إما بالهوى، أو قبل أن تحيط خبرًا بمعرفة النافع والضار، فتقع فيما يسوء.
وقد تضافرت الآثار على أن طاعة الله من أسباب النعم، وأن عصيانه مما يجلب النقم، وطاعته إنما تكون باتباع سننه، وصرف ما وهب من الوسائل فيما وهب لأجله، وهذه الآية أصل من أصول الاجتماع وعلم النفس، وفيها شفاء للناس من خرافات الوثنية، واستدراجات الطاغوتية، وكرامات الشيطانية، وارتفاع وتكريم للنفس الإنسانية.