قال في"التسهيل": إن الآية في قوم من الصحابة كانوا قد أمروا بالكف عن القتال، فتمنوا أن يؤمروا به، فلما أمرو به .. كرهوه، لا شكًّا في دينهم، ولكن خوفًا من الموت، كما مر هذا القول، وقيل: الآية في المنافقين، وهو أليق بسياق الكلام، واختار القرطبي وأبو حيان هذا القول وهو الأرجح، قال في"البحر": الظاهر أن القائلين هذا هم منافقون؛ لأن الله تعالى إذا أمر بشيء لا يسأل عن علته من هو خالص الإيمان، ولهذا جاء السياق بعده: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} ، وهذا لا يصدر إلا من منافق انتهى.
وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير: {وَلَا يُظْلَمُونَ} بالياء، وباقي السبعة بالتاء على الخطاب، وهو التفات، ثم رغبهم في القتال،
78 -وبين لهم أن الموت مصير كل شيء ، فقال: {أَيْنَمَا تَكُونُوا} ؛ أي: في أي مكان وجدتم وحصلتم فيه، سواء كان برًّا أو بحرًا، سفرًا أو حضرًا {يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ} ؛ أي: يأخذكم الموت الذي تكرهون لأجله القتال، زعمًا منكم أنه من محله، ويقع بكم لا محالة، {وَلَوْ كُنْتُمْ} متحصنين منه {فِي بُرُوجٍ} وحصون {مُشَيَّدَةٍ} ؛ أي: مطولة مرتفعة قوية بالجص والنورة، فلا تخشوا القتال لأجله، ولا تتمتوا هذا التأخير الذي سألتم؛
لأنه لا فائدة فيه؛ لأنه لا منجا ولا ملجأ من الموت، سواء أكان بقتل أم بغيره، فلا فائدة في خور الطبع وحب الحياة، وقال زهير:
وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ ... ولَوَ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بسُلَّمِ
وقرأ طلحة بن سليمان: {يدركُكُم} برفع الكافين، وخرجه أبو الفتح على حذف فاء الجواب؛ أي: فيدرككم الموت، أو على أنه كلام مستأنف، وأينما متصل بلا تظلمون، وهي قراءة ضعيفة.