(مِنْهَا) مَا يَرْجِعُ إِلَى الْجُمْلَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ نَظْمَ الْقُرْآنِ عَلَى تَصَرُّفِ وُجُوهِهِ وَاخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِ خَارِجٌ عَنِ الْمَعْهُودِ مِنْ جَمِيعِ كَلَامِهِمْ ، وَمُبَايِنٌ لِلْمَأْلُوفِ مِنْ تَرْتِيبِ خِطَابِهِمْ ، وَلَهُ أُسْلُوبٌ يَخْتَصُّ بِهِ ، وَيَتَمَيَّزُ فِي تَصَرُّفِهِ عَنْ أَسَالِيبِ الْكَلَامِ الْمُعْتَادِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الطُّرُقَ الَّتِي يَتَقَيَّدُ بِهَا الْكَلَامُ الْمَنْظُومُ تَنْقَسِمُ إِلَى أَعَارِيضِ الشِّعْرِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ ، ثُمَّ إِلَى مُعَدَّلٍ مَوْزُونٍ غَيْرَ مُسَجَّعٍ ، ثُمَّ إِلَى مَا يُرْسَلُ إِرْسَالًا فَتُطْلَبُ فِيهِ الْإِصَابَةُ وَالْإِفَادَةُ ، وَإِفْهَامُ الْمَعَانِي الْمُعْتَرِضَةِ عَلَى وَجْهٍ بَدِيعٍ ، وَتَرْتِيبٍ لَطِيفٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَدِلًا فِي وَزْنِهِ ، وَذَلِكَ شَبِيهٌ بِجُمْلَةِ الْكَلَامِ الَّذِي لَا يُتَعَمَّلُ وَلَا يُتَصَنَّعُ لَهُ ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْقُرْآنَ مُخَالِفٌ لِهَذِهِ الْوُجُوهِ وَمُبَايِنٌ لِهَذِهِ الطُّرُقِ ، وَيَبْقَى عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ السَّجْعِ وَلَا فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الشِّعْرِ لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَلَامٌ مُسَجَّعٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ فِيهِ شِعْرًا كَثِيرًا وَالْكَلَامُ يُذْكَرُ بَعْدَ هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَهَذَا إِذَا تَأَمَّلَهُ الْمُتَأَمِّلُ تَبَيَّنَ بِخُرُوجِهِ عَنْ أَصْنَافِ كَلَامِهِمْ ، وَأَسَالِيبِ خِطَابِهِمْ ، أَنَّهُ خَارِجٌ عَنِ الْعَادَةِ وَأَنَّهُ مُعْجِزٌ ، وَهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ تَرْجِعُ إِلَى جُمْلَةِ الْقُرْآنِ ، وَتَمَيُّزٌ حَاصِلٌ فِي جَمِيعِهِ .