الْإِنْكِلِيزُ أَعْرَقُ الشُّعُوبِ الْأُورُبِّيَّةِ فِي الْحُرِّيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ وَاسْتِقْلَالِ الْإِرَادَةِ ، عَلَى تَثَبُّتِهِمْ فِي تَقَالِيدِهِمْ وَبُطْئِهِمْ فِي التَّحَوُّلِ عَنِ الْأَمْرِ يَكُونُونَ عَلَيْهِ ، وَلِحُرِّيَّتِهِمْ وَاسْتِقْلَالِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ اسْتِفَادَةً مِنَ الْإِصْلَاحِ الدِّينِيِّ الَّذِي زَلْزَلَ سُلْطَةَ الْبَابَوِيَّةِ مِنْ بَعْضِ الْبِلَادِ وَثَلَّ عَرْشَهَا مِنْ بَعْضٍ ، وَحُكُومَةُ هَذَا الشَّعْبِ هِيَ الْحُكُومَةُ الْفَذَّةُ الَّتِي جَعَلَتْ خِدْمَةَ الْجُنْدِيَّةِ اخْتِيَارِيَّةً ، وَأَقَامَتِ التَّرْبِيَةَ فِي الْمَدَارِسِ عَلَى قَوَاعِدَ مِنَ الْحُرِّيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ ، وَالِاسْتِقْلَالِ ، وَكَرَامَةِ النَّفْسِ ، لَمْ يُقِمْهَا أَحَدٌ مِثْلَهَا ، وَلِذَلِكَ اسْتَوْلَتْ عَلَى زُهَاءِ خُمْسِ الْبَشَرِ الْأَذِلَّاءِ بِضَعْفِ الِاسْتِقْلَالِ وَفَقْدِ الْحُرِّيَّةِ ، عَلَى كَوْنِ جُنْدِهَا أَقَلَّ مِنْ جُنْدِ
غَيْرِهَا مِنَ الدُّوَلِ الْكُبْرَى ، وَقَدْ فَطِنَ لِذَلِكَ بَعْضُ عُلَمَاءِ
جِيرَانِهَا الْفِرِنْسِيسِ وَأَهَابُوا بِقَوْمِهِمْ لِأَجْلِ اتِّبَاعِهَا فِيهِ ، وَكَتَبُوا فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٍ كَثِيرَةً تُرْجِمَ بَعْضُهَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَاشْتُهِرَ كَكِتَابِ"سِرِّ تَقَدُّمِ الْإِنْكِلِيزِ السَّكْسُونِيِّينَ"وَكِتَابِ"التَّرْبِيَةِ الِاسْتِقْلَالِيَّةِ"الْمُسَمَّى فِي الْأَصْلِ"إِمِيلِ الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ".
بَيَّنَ صَاحِبُ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّعْلِيمَ فِي الْمَدَارِسِ الْفَرَنْسِيَّةِ لَا يُرَبِّي رِجَالًا ، وَإِنَّمَا يَصْنَعُ آلَاتٍ تَسْتَعْمِلُهَا الْحُكُومَةُ فِي تَنْفِيذِ سِيَاسَتِهَا كَمَا تَشَاءُ قَالَ فِي نِظَامِ مَدَارِسِهِمْ: