(أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) هو من الله علِي الإِطلاق ، فنُسبَ إلى نفسه
تفخيمًا لأمره ، كما قال: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) .
وقوله: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) ونحو ذلك ، فخبر الابتداء على
هذا هو (مِنَ اللَّهِ) ، ويجوز أن يكون مبتدأ ، و (الْفَضْلُ)
خبره ، كقولك: ذاك هو الرجل ، ، وهذا هو المال ، تنبيهًا على
كماله ، فإن الشيء إذا عظم أمره يوصف باسم جنسه ، كقوله:
(وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) .
ويكون قوله: (مِنَ اللَّهِ) في موضع الحال ، أو خبر ابتداء مضمر ، ثم قال:
(وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) تنبيهًا أنه هو أعرف بمقادير الفضل ، وقد حكم
بأن الفضل المعتد به هو ذاك.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا(71)
حذركم: قيل: معناه أسلحتكم ، وقيل: معناه احذروا.
والثبة للجماعة المنفردة ، قال الشاعر:
وقد أعْدو على ثبةٍ كرام.
ومنه ثبت على فلان إذا ذكرت متفرق محاسنه ، وتصغر ثُبة
على ثُبَيَّة ، وتجمع على ثُبات وثُبين ، وأما ثُبة الحوض فوسطه
الذي يثوب إليه الماء.
وأصل النفر: الانزعاج ، وذلك على ضربين:
انزعاج عن الشيء ، وانزعاج إليه ، وعلى ذلك
الفزع: فزع عن الشيء ، وفزع إليه.
قال: إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم.
والنفر: للجماعة الذين ينفرون إلى حرب ، والمنافرة في
الحكم أصله أن يتحاكم اثنان - أيهما أفضل نفرًا.
قال ابن عباس: هذه الآية نسخها قوله تعالى ة (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ)
وإنما عنى بذلك التخصيص والتنبيه أن ليس يلزم النفر جماعتهم ، ونحو
ذلك قوله: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) الآية ، أنها في الحرب
وفي الحقيقة فيها وفي المبادرة إلى جميع ثواب الله.