وإنما قال: (مِنْ لَدُنَّا) لأنه تعالى لا يكاد ينسب إلى نفسه من النعم إلا ما
كان أجلَّها قدرًا وأعظمها خطرًا ، نحو: وروحنا.
قوله عز وجل: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا(69)
أصل الرفق: التفكُّر في الأمر والتثبُّت ، ويضاده الخرق.
وقيل ذلك للمعاونة ، ومنه الِمرفق والمَرفق ، والرفقة
للجماعة المعاونة في السفر ، والرفيق كالصديق ، ويقالان للواحد والجمع.
والفرق بين الرسول والنبيّ أن الرسول أخصّ.
فكل رسول نبي وليس كل نبيّ رسولاً.
فإنّ الرسول يختص بمن جعله واسطة بينه وبين عباده
لتبيين أحكامٍ بوحيٍ مسموع عن مَلَكٍ.
والنبيّ قد يقال لمن يجدد عليْ الناس شريعة من تقدمّه
وإن كان يوحى إليه بإلهام أو منام.
وأخصّ من الرسول أولو العزم من الرسل.
وقد تقدّم ذكر ذلك ،
وقد قسّم الله تعالى المؤمنين في هذه الآية أربعة أقسام.
وجعل لهم أربعة منازل ، بعضها دون بعض ، وحثّ كافة الناس
أن لا يتأخروا عن منزل واحد منهم:
الأوّل: هم الأنبياء: الذين تمدهم قوة إلهية.
ومثلهم كمن يرى الشيء عيانًا من قريب.
ولذلك قال تعالى في صفة نبينا عليه الصلاة والسلام:
(أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى) .
والثاني: الصديقون: وهم الذين يتاخمون الأنبياء في المعرفة.
ومثلهم كمن يرى الشيء عيانًا من بعيد.
وإياه عنى أمير المؤمنين حيث قيل: هل رأيت الله ؟ فقال:
ما كنت لأعبد شيئًا لم أره ، ثم قال: لم تره العيون بشواهد العيان.
ولكن رأته القلوب بحقائق الإِيمان.
والثالث: الشهداء:وهم الذين يعرفون الشيء بالبراهين ، ومثلهم كمن يرى الشيء في المرآة من مكان قريب ، كحال حارثة ، حيث قال: كأني