وأما التفسير فقال ابن عباس: {خُذُوا حِذْرَكُمْ} يريد عند لقاء العدو. وهذا يقوي القول الأول. وقد صرح مقاتل بالقول الأول فقال: خذوا حذركم من السلاح.
وقال الكلبي: خذوا حذركم من عدوكم.
وهذا التفسير على القول الثاني، وكأنه اختيار أبي إسحاق؛ لأنه قال في هذه الآية: أمر الله أن لا يلقي المؤمنون بأيديهم إلى التهلكة، وأن يحذروا عدوهم، وأن يجاهدوا حق الجهاد.
وهذه الآية لا تدل على أن الحذر يرد شيئًا من القدر، ولكنا تعبِّدنا في الشريعة بالحذر من (.. ..) والتوقِّي من النشر، والقدر جارٍ على ما قضي. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا مر عدُّوا له أسرع المشي، وقد قال الله تعالى له: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51] .
وقوله تعالى: {فَانْفِرُوا} . قال الفراء: يقال: نفر القوم ينفرون نفرًا ونفيرًا إذا هم نهضوا لقتال عدو وخرجوا لحرب.
واستنفر الإمام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون، إذا حثهم على النفير ودعاهم إليه. ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: وإذا استنفرتم فانفروا. والنفير اسم للقوم الذين ينفرون، ومنه فلان (لا في العير ولا في النفير) .
وقال أصحاب العربية: أصل هذا الحرف من النُّفور والنِّفار، وهو الفزع، نفر ينظر نفورًا إذا فزع إليه. والمعنى انفروا إلى قتال عدوكم.
وقوله تعالى: {ثُبَاتٍ} . قال جميع أهل اللغة: الثُّبات جماعات متفرقة واحدها ثبة، وأنشدوا لزهير:
وقد أغدو على ثبة كرامٍ ... نشاوى واجدين لما نشاء
وأما أصلها واشتقاقها فقال علماء اللغة والنحو: ثبة أصلها من ثبيت الشيء ، أي جمعته. ويقال: ثبيت على الرجل، إذا أثنيت عليه في حياته , وتأويله: جمع محاسنه. وأنشدوا للبيد:
يُثَبِّي ثناءً من كريمٍ وقولُه ... ألا انعم على حسن التحيَّة واشربِ
وقال آخر: