والظاهر في هذه الآية ما قال الحسن؛ لكون المستثنى من المكتوب عليهم، والمهاجرون والأنصار وهؤلاء الذين ذكرهم فقال: {مِنْهُمْ} ، وإنما أريد بقوله: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} المنافقون والذين لم يستقر الإيمان في قلوبهم، وهم الذين ذكروا في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} الآية، وقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} هذا هو ظاهر (....) عطاء ومقاتل، فيمكن أن يحمل على وجهين: أحدهما: أن قوله: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} يريد اليهود والمنافقين والمؤمنين جميعًا، ثم استثنى الصحابة الأنصار والمهاجرين والمؤمنين بقوله: {مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} ، ويكون قوله بعد هذا: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ} اليهود والمنافقين.
وقد ورد في التنزيل آي حمل بعضها على العموم وبعضها على الخصوص. وعليه (....) أن يُحمل على قراءة من قرأ {إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} بالنصب؛ لاختلاف جنسي المستثنى منه والمستثنى، وذلك أنه في هذه الآية قبيلان: مكتوب عليهم وهم المنافقون، ومستثنى وهم الأنصار، فصار كالجنسين المختلفين، وإذا اختلف الجنسان فالاختيار النصب، كقوله:
وما بالرَّبع من أحدٍ إلا أواري
ويحتمل أن يكون هذا من الاستثناء المنقطع عن الأول، على أن تكون إلا بمعنى لكن، كأنه قيل: لكن قليلًا منهم، وهم الأنصار.
وذكرنا معنى الاستثناء المنقطع بأبلغ الاستثناء عند قوله: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} في سورة البقرة [الآية:150] .
وقوله: {مِنْهُمْ} على هذا الكنايةُ تعود إلى المنافقين، ويقال ذلك لأن القبيلين وإن اختلفا من حيث الإيمان والكفر، فقد اتفقا بالنسب والجوار والحلف واللغة، وكونهم أهل عصر واحد، في زمن نبي واحد، وكل هذا من الملابسة بين الفريقين، ولأن المنافقين أيضًا ادعوا الإيمان وأظهروا شعاره، فقاسمُ الإيمان يشملهم.