ثم اختلف في أولي الأمر، ومعلوم أنهم هم الذين إليهم يرجع تدبير أمور الدِّين، وعن آرائهم يصْدرُ وهم الذين تضمنتهم آية أرجو أن يكون فيها الكفاية في تعريف المقصود بها، وهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) ، فجعل أولي الأمر مَنْ عندهم علم الاستنباط، وشهد لهم بالعلم فيما رد إليهم؛ فثبت أنهم الفقهاء المعروفون بالاستنباط ورعاية أمور الدِّين، وفي هذا - أيضًا - دلالة على إصابتهم فيما أجمعوا عليه؛ إذ شهد لهم في الجملة بالعلم؛ وعلى ذلك قوله - تعالى -: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ...) الآية، وقوله - تعالى -: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا...) الآية.
ثم كانت الشهادات والأمر والنهي للعلماء بهما؛ ثبت أن الأمر في ذلك ينصرف إلى العلماء، وأنهم إذا اجتمعوا على شيء بالأمر أو بالنهي، يكون إجماعًا؛ لأن ذلك كذلك عند اللَّه - تعالى - وتجوز شهادتهم على جميع العوام ومن تأخرهم، ومن ذلك في الأمور التي تجري بها البلية والعمل بها في العامة، مما لا يحتمل خفاء مثله، على ما ذكرت من الخاص أن ذلك كان عند أُولَئِكَ الخاص على ذلك؛ إذا لم يغيروا ولا شهدوا في ذلك بغيره، وأمراء السرايا لو كانوا أهل البصر في الأمر مع العلم بالشرع والفتيا يلزم فيهم ذلك؛ لأنهم صيروا في الباب أهل الأمر.