والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى .. الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان؛ والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها «الإنسان» .. أمانة الهداية، والمعرفة، والإيمان بالله عن قصد وإرادة وجهد واتجاه. فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة. فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به. والاهتداء إليه، وعبادته، وطاعته. وألزمه طاعة ناموسه بغير جهد منه ولا قصد، ولا إرادة ولا اتجاه. والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته، وإلى عقله وإلى معرفته، وإلى إرادته، وإلى اتجاهه، وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله، بعون من الله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا .. وهذه أمانة حملها وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من
الأمانات.
ومن هذه الأمانة الكبرى، تنبثق سائر الأمانات، التي يأمر بالله أن تؤدى: ومن هذه
الأمانات: أمانة الشهادة لهذا الدين .. الشهادة له في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له. ترجمة في شعورها وسلوكها. حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس. فيقولوا: ما أطيب هذا الإيمان وأحسنه وأزكاه؛ وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال! فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون .. والشهادة له بدعوة الناس إليه، وبيان فضله ومزيته - بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية - فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه، إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك. وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان - وهي إحدى الأمانات - ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض، منهجا للجماعة المؤمنة؛ ومنهجا للبشرية جميعا .. المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيله، وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة. فإقرار هذا المنهج في حياة البشر وهو كبرى الأمانات، بعد الإيمان الذاتي. ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة. ومن ثم ف «الجهاد ماض إلى يوم القيامة» على هذا الأساس .. أداء لإحدى الأمانات.