{وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا} : أَي وحسبكم الله وليًا، تلجأون إِليه في جميع أموركم.
{وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا} في كل المواطن، فاعتمدوا عليه، واكتفوا بولايته ونصرته. ولا تتولوا غيره، ولا تبالُوا بأعدائكم.
46 - {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ... } الآية.
هذا بيان لنوع من أَنواع ضلال أهل الكتاب: الذين اشتروا الضلالة. فإِنهم يتأَولون الكلام على غير تأْويله، ويفسرونه بغير مراد الله تعالى كذبًا منهم وافتراءً وتضليلًا للمسلمين. وإِنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} : أي سمعنا قولك: ولا نطيعك فيه، عنادا وتحقيقًا للمخالفة. وذلك أبلغ في عنادهم وكفرهم. ويقولون أيضًا مخاطبين له - عليه السلام: {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} .
وهذا كلام يحتمل وجهين: الشر والخير ... وذلك بحمله على معنى: اسمع لا سمعت ... ويكون دعاء عليه بالصمم أَو الموت. أَو هو على معنى: اسم لا سمعت مكروها. وهذا - وإن كان ظاهره الدعاءَ له - إلا أَنه في حقيقة باطنهم استهزاءٌ منهم واستهتار برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك كانوا يقولون أَيضًا: {رَاعِنَا} وهي كلمة ذات وجهين: تحتمل الخير على معنى: انظرنا وتمهل علينا نكلمك. وتحتمل الشر على معنى: أَنها رمي له بالرعونة والحمق.
فكانوا يظهرون التوقير والاحترام، ويضمرون الإِهانة والاستهزاءَ.
{لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ} :
أي صرفًا للكلام عن ظاهره، إِلى إرادة الشتم والسب، وقدحًا في الدين. بالاستهزاء والسخرية.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ} :
هذا بيان لما كان ينبغي عليهم أن يقولوه. أي ولو أنهم - عندما سمعوا شيئًا من أَوامر الله ونواهيه - قالوا مخلصين: سمعنا وأطعنا، بدل قولهم: سمعنا وعصينا. وقالوا أيضًا: اسمع وانظرنا، بدلا من قولهم: اسمع غير مُسْمَعٍ وراعنا - لكان خيرًا لهم مما قالوه. وأعدلَ وأصْوَبَ.
{وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} :