هذا الأصل الكبير ، الذي تشير إليه هذه اللمسة:"كتاب الله عليكم"تقرره وتؤكده النصوص القرآنية في كل مناسبات التشريع ، فما من مرة ذكر القرآن تشريعاً إلا أشار إلى المصدر الذي يجعل لهذا التشريع سلطاناً.
أما حين يشير إلى شرائع الجاهلية وعرفها وتصوراتها فهو يردفها غالباً بقوله: {ما أنزل الله بها من سلطان} لتحريرها من السلطان ابتداء ، وبيان علة بطلانها ، وهي كونها لم تصدر من ذلك المصدر الوحيد الصحيح.
وهذا الأصل الذي نقرره هنا هو شيء آخر غير الأصل المعروف في التشريع الإسلامي. من أن الأصل في الأشياء الحل ، ما لم يرد بتحريمها نص ، فكون الأصل في الأشياء الحل ، إنما هو كذلك بأمر الله وإذنه ، فهو راجع إلى الأصل الذي قررناه ذاته ، إنما نحن نتحدث عما تشرعه الجاهلية لنفسها دون رجوع إلى ما شرعه الله. وهذا الأصل فيه البطلان جملة وكلية ، حتى يقرر شرع الله ما يرى تقريره منه من جديد ، فيكتسب منذ أن يرد في شرع الله المشروعية والسلطان.
فإذا انتهى السياق من بيان المحرمات ، وربطها بأمر الله وعهده ، أخذ في بيان المجال الذي يملك فيه الناس أن يلبوا دوافع فطرتهم في التزاوج ؛ والطريقة التي يحب الله أن يلتقي بها أفراد الجنسين لتكوين البيوت ؛ وإقامة مؤسسات الأسرة ، والمتاع بهذا الالتقاء في نظافة وطهر وجد تليق بهذا الأمر العظيم:
{وأحل لكم - ما وراء ذلكم - أن تبتغوا بأموالكم.. محصنين غير مسافحين.. فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن - فريضة - ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة. إن الله كان عليماً حكيماً} ..
ففيما وراء هذه المحرمات المذكورة فالنكاح حلال ، وللراغبين فيه أن يبتغوا النساء ، بأموالهم - أي لأداء صداقهن - لا لشراء أعراضهن بالأموال من غير نكاح! ومن ثم قال:
{محصنين غير مسافحين} ..