قال ابن عاشور: قوله: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} يجوز أن يكون بدل اشتمال من (ما) باعتبار كون الموصول مفعولًا لـ {أَحَلَّ} ، والتقدير: أن تبتغوهنّ بأموالكم؛ فإنّ النساء المبَاحات لا تحلّ إلّا بعد العقد وإعطاء المهور؛ فالعقد هو مدلول {تَبْتَغُوا} ، وبذل المهر هو مدلول {بِأَمْوَالِكُمْ} ، ورابط الجملة محذوف: تقديره أن تبتغوه، والاشتمال هنا كالاشتمال في قول النابغة:
مخافة عمرو أن تكون جياده ... يقدن إلينا بين حاف وناعل
ويجوز أن يجعل {أَنْ تَبْتَغُوا} معمولًا للام التعليل محذوفةٍ، أي: أحَلَّهن لتبتغوهنّ بأموالكم، والمقصود هو عين ما قرّر في الوجه الأول.
الطريق الرابع: قالوا: إن لفظة"الاستمتاع"يراد بها نكاح المتعة أو الزواج المؤقت.
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: معنى الاستمتاع في الآية.
إن أئمة اللغة قالوا: إن الاستمتاع في اللغة الانتفاع، وكل ما انتفع به فهو متاع، يقال: استمتع الرجل بولده، ويقال فيمن مات في زمان شبابه: لم يتمتع بشبابه، قال تعالى عن
الكفار أنهم قالوا: {رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} وقال: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} (الأحقاف: 20) يعني تعجلتم الانتفاع بها، وقال {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ} يعني بحظكم ونصيبكم من الدنيا.
قال ابن عبد البر: الاستمتاع عندنا التزويج.
قال الجصاص: الاستمتاع: الدخول.
فهذا ما قاله أهل العلم في الاستمتاع ولم يقل أحد من الأئمة المعتبرين أن الاستمتاع يراد منه المتعة.
الوجه الثاني: أن لفظ"الاستمتاع"ورد في غير هذا الموضع من القرآن ولم يرد به المتعة اتفاقًا.
{وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا} (الأنعام: 128) .