أمارةٌ شرعيَّةٌ تحتاجُ إلى نَصْب صاحب الشريعةِ، وذلك مثل قَوْلِ أصحاب أبي حنيفة في الكلب: إنَّه حيوَان مُختلف في إباحةِ لَحْمِهِ، فلم يَجَب العَدَدُ في وُلوغه، كالسِّباع [1] .
والجوابُ: أَنَ هذا وإن كان حادثًا، فيجوزُ أن يكونَ أمارة، كما كان الإجماعُ حادثًا، وكان دليلًا معلومًا.
فإن قيل: إن الإجماعَ إنما كان دليلًا لأن صاحبَ الشريعةِ - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا تجتمع أمتي على ضلالةٍ" [2] ، قيل: إنْ عولْتَ على هذا في هذا الأصلِ العظيمِ، لم يَثْبُتْ؛ لأن خَبرَ الواحدِ في الأصلِ طريقٌ مَظْنونٌ، والإجماعُ مقطوعٌ، فكيف يثبتُ أصلٌ مقْطوعٌ بدلالةٍ مَظْنونةٍ؟ ولا سيَّما هذا الخَبَرُ وليس بثابتٍ عند القَوْم، ولو صح لم يكُ فيه على الإِجماعِ فيما نحنُ فيه من الأحكام حُجة؛ لأنه لم يَقُلْ: أمتي لا تجتمعُ عَلى خَطأ، وإنما قال:"على ضَلالةٍ"والخطأ هُنا ليس بضَلالةٍ، لأن خَطاَ المُجتهدين في الأحكامِ ليس بضلالةٍ، بدليلِ أن
(1) انظر"رحمة الأُمة": 33 - 34، و"الدر المختار"1/ 37، و"فتح القدير"لابن الهمام 1/ 64، و"المغني"1/ 613.
(2) أخرجه ابن ماجه (3590) من حديث أنس، والترمذي (2167) من حديث ابن عمر، وأبو داود (4253) من حديث أبي مالك الأشعري. وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوَجهِ، ونقل البوصيري في الزوائد عن العراقي أن طرق هذا الحديث كلها فيها نظر. وأخرجه أحمد 4/ 204 و 205، والبخاري (7352) ، ومسلم (1716) ، وابن ماجه (2314) ، وأبو داود (3574) من حديث عمرو بن العاص.
وأخرجه الترمذي (1326) والنسائي 8/ 224 من حديث أبي هريرة.