الماءِ، فإذا عَلَّق الشرعُ حكمَ الطهوريّة على التراب، والزكاةَ على السائمةِ، وقال القائل في الجِصّ: ليس بتراب، وفي الَمعلوفةِ: ليست سائمةً؛ كان معتمدًا في نفي الحكم علىَ الأصلِ، حيث انتفى المعنى الذي عُلِّقَ الحكم عليه في الشرع، وهو الترابيةُ في الطهارةِ، والسومُ في الزكاة، فهذا وجهٌ من جوهِ الدَلائلِ لا عدمَ الدليل الذي عولت عليه.
ويقال: إنَّ النفيَ وإن لم يكنْ شيئًا، فإنه يجوز أن يجعل دليلًا على نفي مثلِه، فإن الشرعَ والعقلَ لا يمنع من ذلك. ألا ترى أنه قد عَلق الشرعُ جوازَ التيممِ بالتراب على عَدم الماءِ، والانتقالَ إلى الإِطعام أو الصوم عند عدم الرَقبةِ، والعدم ليس بشيء، فلأجلهِ أحدث حَكمًا آخرَ وَنقل إليه.
ويحسنُ أن يقالَ: من أساءَ فعاقِبه، ولا تعاقبْ من لم يُسىء.
وعدمُ الِإساءةِ ليست شيئًا، ويحسن أن نُعلِّلَ بالنفي، فنقول: إنما لم يُعاقَب؛ لأنه لم يسىء، ويُقال: إنما لم أستودعْه المالَ؛ لأنه ليس بثقة.
ويستدلون بالإِثباتِ على النفي، فيقالُ: إنه فاسق، فلا تقبل شهادتُه، ومحسنٌ، فلا تَحسن عُقويتُه، ومَطعومٌ، فلا يجوز التفاضل فيه. ولا يُستنكر أن يكونَ الاثبات جَلَبَ نفيًا، والنفي ليس بشيء، فكما لا يُقال ذلك في الحكمِ، كذلك لا يقالُ في دلالةِ الحكمِ.
وأصلُ التعاليل الشرعية أماراتٌ ودلائل، وقد يقعُ النفي أمارة ودلالةً، فيقالُ: لا عقلَ لهذا؛ لتَخَبُّطِ [1] أفعالهِ. ولا حياةَ فيه؛ لأنه لا حِس فيه
(1) في الأصل:"لتثبط"، والصواب ما اثبتناه.