الفسادِ دليلًا على صحةِ واحدٍ من الثلاثةِ بعيْنِه، وإن لم يَكُنْ لهما ثالثٌ، فهذا المذهبُ في الاستدلالِ فيهما أجودَ.
ونظيرُ هذا: إذا لم يَكُنْ في العالَمِ إلا ثلاثةُ أماكنٍ، لم تكن غَيْبُوبةُ زيدٍ عن أحدِها [1] دالةً على كونِه في واحدٍ من الاثنين بعينِه، وإن لم يَكُنْ فيه إلا مكانانِ استدْلَلْتَ بغَيْبَتِه عن أحدِهما على كونِه في الآخرِ.
وقد يَستخِفُّ المتكلِّمون بالثالثِ كثيرًا، وهو ثالثُ النَفي والإِثباتِ، والثالثُ: إمَّا الوقفُ أو الشك الذي يُثبتُه [2] بعضُ الناسِ مذهبًا [3] ، أو يُخرِجُه قومٌ عن كونِه مذهبًا، ويَعتلونَ على ضعفِه عندهم، فيستدلون بفسادِ أحدِ الاثنينِ على صحةِ الأخرِ، ووجودُ ضد الثالثِ -ضعيفًا كان أو قوَيًا- يمنعُ من هذا.
والدليلُ على ذلك: أن مُحصِّلًا لو اعترضَ عليهم، فقال لهم: ألستُم تعلمون أن لهذين المذهبين ثالثًا؟ فقالوا له: بلى. فقال لهم: فكيف صار بفسادِ أحدِ هذينِ الاثنين يوجبُ صحةَ ما صححتُموه دونَه؟ لم يجدوا بدًَّا من ذكرِ ما أضعفَه عندهم، وللمُحصلِ أن يقولَ لهم: فإنما كان ينبغي أن تذكُروا فسادَ المذهبين، ثم تَستدِلُّوا بذلك على صحةِ الثالثِ؛ إذْ لا رابعَ له بالضرورةِ، فأمَّا الاقتصارُ على إفسادِ واحدٍ
(1) في الأصل:"أحدهما"، والذي يتفق ومعنى السياق ما أثبتناه.
(2) في الأصل:"يبينه".
(3) تقدم كلام المصنف في الصفحة (31) : أن الشك ليس بمذهب، وأن الوقف مذهب.