المذهبِ الذي عَينَاهُ ها هنا هو اعتقادُ فسادِه ونفيِهِ وإبطالِه.
وقد قال قوم: ليس هذا هكذا، ولكن في بداهَةِ العقولِ أن كلُّ ما صححه الدليلُ أبْطَلَ ضِدَّه -أو قالوا: أفسدَ ضده-، وكل ما أفسدَه صحَحَ ضدَّه.
والتحقيقُ في ذلك: أن الدليلَ إذا أفسدَ شيئًا أو صحَحَه، رَجَعَ في الأخَرِ -أعني بالاَخَرِ: ضده- إلى العقلِ، فافتى العقلُ في أسرع من لَمْحِ البصرِ بحقيقةٍ واجبةٍ.
والدليلُ على هذا التحقيق: أنك إذا دللت على صحَّةِ شيءٍ فقيلَ لكَ: ما الذي يُفسدُ ضدَّه؟ قلتَ: ما في العقلِ من استحالة اجتماعِ الشيءِ وضِدِّه في الصحةِ.
ولو قلتَ: ما دل على صِحَّتِه هو الذي يدلُّ على فسادِ ضدِّه، لساغَ لقائلٍ أن يقولَ لك: ومن أيِّ وجهٍ دل على ذلك؛ أرايتَ إن عارضَك مُعارِض، فقال: بل الدليلُ على صحَّتِه دال على صحَّةِ ضِدِّه، فماذا يفصلُ بينك وبينه في هذه المعارضةِ؛ فلا تَجِدُ بُدًَّا عند التحصيلِ من الرجوعِ إلى ما في العقلِ مما وَصَفْناهُ، وذلك لأن الدَّلالةَ إذا دَلَّتْ على أن زيدًا مُسِيء، لم تَكُنْ بنفسِها دَلالةً على نفيِ الإِحسانِ الذي هو ضِدًّ الإِساءةِ عنه؛ من حيث إنه قد يُمكن أن يكونَ محسِنًا من وجهٍ وهو بِرُّ أبيه، مسيئًا [1] من وجهٍ وهو عُقوقُ أمِّهِ، وإنما يَصح ذلك فيما لا يكونُ ثابتًا من وجهٍ ومعه ضِدُّه من وجهٍ آخرَ؛ كالدَّلالةِ على أن الشيءَ مُحدَث تدلُّ على بطلانِ قِدَمِه؛ فإنه لا يصحًّ
(1) في الأصل:"مسيء".