وتمامُ هذه المعارضة التي [1] قد تجوزُ: أن يقولَ: لأن علَّةَ كذا كَيْتَ وكَيْتَ، وهو بعينِه موجود في الآخرِ، كما قال أهلُ التوحيدِ للجسميةِ: هلاَّ قلتم: إن اللهَ مؤلًف؛ لأنكم لا تعقِلُون جسمًا إلا مؤلَّفًا، كما قلتم: إنه جسم؛ لأنكم لم تَعقِلوا فاعلًا إلا [2] جسمًا. وهذا مما لا يقعُ بعده فصل، فكلُّ من حاولَ بعده فصلًا ناقَضَ؛ لأنَّا إنما نأتي بقَدْرِ منعِه من الحكمِ بالمعقولِ، وجُوزَ له الخروجُ منه، فإذا جازَ له الخروجُ منه لعلَّةٍ من العللِ، لم يكنِ القطعُ به في هذا الموضعِ واجبًا لا مَحالةَ؛ لبطلان ما هو [فيه] [3] وفسادِه في موضعٍ آخرَ، ولا ينبغي إذا كان مما هو فيه أن يَبطُلَ أحيانًا، أن يكونَ هذا بموجبٍ لكونِ اللهِ سبحانه جسمًا.
وإذا كان هذا صحيحًا، فإنما يجبُ لشيءٍ آخرَ لا يسقطُ أبدًا، ويكونُ موجبًا به في كلِّ حالٍ، ألا ترى أن من جازَ عليه الكَذِبُ لا يُقطَعُ على شيءٍ يُخبِرُ به؛ لأن خبرَه ليس مما يُصدَّقُ أبدًا فيكونَ علَّةً للتصديقِ، فإن صُدِّقَ فإنما يُصدَقُ بدليلٍ على صدقِه في الموضعِ الذي صُدِّقَ فيه، ولا يجوزُ لذلك الدليلِ أن يسقطَ في حالٍ من الحالاتِ؛ لأنه لو سقطَ لاحتاجَ في الموضعِ الذي اقتدى به فيه اقتداءً إلى ما يدل على أن موضعَه ذلك ليس من المواضعِ التي يسقطُ فيها، وإلا فلك أن تقولَ: ليس كلُّ ما كان معه هذا الدليلُ يجبُ له كذا، فما يُدرى لعلَّ صوضعَه هذا من تلك المواضعِ.
(1) في الأصل:"الذي".
(2) في الأصل:"لا".
(3) ليست في الأصل.