تجصلُ في العصيرِ، فلا يكونُ حرامًا قبل السمعِ؟ فما العلَّةُ التي لأجلِها كان حرامًا بعد أن لم يَكُنْ حرامًا؟
قيل له: قيامُ الحُجَّةِ بأن في شُرْبه المَفسدةَ المعلومةَ في هذا الزمانِ، دون ما سبقَه من الزمان الذي كَانت فيه مُباحَةً.
فإن قيل: فالمَفسدةُ التي صَرح بها القرآنُ -وهي إيقاعُ العداوةِ والبَغضاءِ بما يحصلُ من العَرْبَدةِ والمخاصمةِ، والصَدُّ عن ذكرِ اللهِ وعن الصَلاةِ [1] - لم تَزَلْ حاصلةً بالسُّكر المغطَي للعقل الذي به يحصلُ التمييزُ بين الأمورِ، وهذا أمرٌ ما تَجَددَ، فكيف تَصِحُّ لكم دعوى تَجَدُدِ المَفسدةِ والحالُ هذه؟
قيل: العلَّةُ في كونِه حرامًا في هذه الحالِ وكونِه قبيحًا هو قيامُ الحجَّةِ بكونه مَفسدةً، والمَفسدةُ التي ذكروها- وهي التي نطقَ بها الكتابُ الكريمُ -مَفسدة لكن ليس بكلٍّ، بل من بعضِ المَفسدةِ ذاك، ويجوزُ أن يكونَ ما ذكرَه مما يحصلُ في هذه الامةِ وهذا الزمانِ حكمُه يَزيدُ عند اللهِ على كلِّ مَفسدةٍ، ويجوزُ أن تختلِفَ المفاسدُ باختلاف الأزمانِ والأشخاصِ، كما أن الكلامَ في الصلاةِ مفسدةٌ وفي الحجِّ ليس بمَفسدةٍ، والطيبُ في الحجِّ مفسدةٌ وفي الصلاةِ ليس بمفسدةٍ، وأكْلُ الزَّكاةِ مع كونِها أوساخ الناسِ مفسدةٌ في حقِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأهلِ بيتِه وليست بمَفسدةٍ في حقَ غيرِهم، والجَمْعُ بين الأختَيْن يَقطَعُ [2] والجمعُ
(1) وذلك في قوله تعالى في سورة المائدة الآية (91) : {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) } .
(2) أي يقطع الرحم بينهما.