مقدِّمات، إلى أن تنتهيَ إلى نتيجةٍ صادقةٍ، والحكمُ في قياس الفقهاءِ، هي النتيجةُ في الأصول بلغةِ الأصوليِّين.
ولا تخلو شهادةُ الحجةِ من أن تُعلمَ بأول وَهْلةٍ أو بأدنى فِكْرَةٍ، ولا تخلو الحجَّةُ من أن تظهرَ شهادتُها عند الإِشارةِ إليها، أو لا تظهرَ، فإن لم تظهرْ عند الِإشارةِ إليها، فإنَّما ذلك لأنه أُشيرَ إليها من وجهٍ لا يتعلَقُ بالحكم، مثال ذلك: قول القائل: كلُّ جسمٍ فهو جوهرٌ، فالجسمُ لا يشهد من وجهِ أنه جوهرٌ على أَن له صانعًا، ويشهدُ من وجهِ أنه كان بعد أن لم يكنْ على أن له صانعًا، فقد بأن أنه يُذكرُ من وجهٍ ولا تكونُ له شهادةٌ، وُيذكرُ من وجهٍ آخر فتظهرُ له شهادة.
بيانُ صحةِ ذلك: أنك إذا قلتَ: إذا كان الجسم بعد أن لم يكنْ، فلا بُدَّ له من مكوِّنٍ. فهذا شهادةٌ، ولو قلت: إذا كان الجسمُ جوهرًا، فلا بُدَّ له من مكوِّن. لم يكن هذا شهادةً، ولا له صحةُ الشهادةِ.
وكذلك تقولُ: إذا كان محكَمًا متقَنًا، فلا بدَّ له من عالمٍ أحكمَه وأتقنَه. ولا يصحُّ أن تقولَ: إذا كان معدومًا بعد أن لم يكنْ معدومًا، فلا بُدَّ له من عالمٍ أعدمَه. ولكن الذي يصحُّ أن تقولَ: إذا كان معدومًا بعد أن لم يكن معدومًا، فلا بُد من معدِمٍ أعدَمه وجعلَه معدومًا. ويَحسُنُ أن تقولَ: الجسم دالٌّ على الصانعَ المدبِّر. نعني من الوجوهِ التي بَيَّنَّا.
والمثالُ من مسائل الفروعِ: إذا قلتَ: النَبيذُ محرَّمٌ من حيث إنَّه مائعٌ أو مشروبٌ، فهذا لا يصحُ؛ لأن كونَه مائعًا ومشروبًا لا يشهدُ بالتحريم، فإذا قلتَ: النَّبيذُ أو الخمر يشهدُ بالتحريم من حيث كونه