الشريعةُ الثانيةُ، فإنَّهما يتفقانِ فيه، ويشتركان -أعني: الأول والثاني- فيما لم يُنسخ من الشريعةِ الأولى، وإن لم يجز عندكَ بعثُ نبيين في عصرٍ واحدٍ يتفقان في حكمٍ واحدٍ، فقد بانَ بهذه الجملةِ فرقُ ما بينَ العصرِ الواحدِ والعصرين.
ومنها: أن قالوا: فيما ذهبتُم إليه، من اتباعِ من تقدَّمَه من الأنبياء، تنفيرٌ [1] عنه، ورغبةٌ عن اتباعه؛ لأنه إذا كان على شريعةِ موسى أو عيسى، أنس أهلُ ذلك الدين إلى كونه متبعًا لنبيِّهم، وأنَّه واحدٌ منهم، ومن أمة ذلك النبي، فإذا صار مخالفًا له في شيء مما جاء به ذلك النبي؛ بما يزعمُ أنه قد نُسِخَ في شريعته هو، ساغَ لهم أن يقولوا: كانَ تبعًا، فمالت نفسُهُ، وسَمَتْ إلى أن يصيرَ متبوعًا، ونحنُ قد سمعناهُ مقرًّا بالنبوةِ الأولى، وراضيًا باتباعها، فنُعوِّل على الأول من قوليه دونَ الثاني، فإنه متهمٌ فِي الثاني؛ من حيثُ إنَّه استدركَ الأمرَ لمحبةِ الرئاسةِ، وأخذته الأَنَفة من الاتباعِ. فلا ينبغي أن يسلكَ به هذا المسلك المفضي إلى هذه المفسدة، لا سيما والقرآنُ ينطق بمراعاة ما تجتمعُ القلوبُ عليه، دون ما تَنْفِرُ عنه، مثل قوله: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] ، وقوله: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44] .
فيقال: إنَّ هذا مما يزولُ، وينقمعُ قائلُهُ، والمتعلِّقُ به؛ بإقامة الحجج الباهرة؛ من المعجزاتِ الدالَّة على صدقه في نسخِ ما قبله، إذا لم يَتعبَّدْ بشريعة مَن قبلَه، وإذا كان ما ظهر على يديه، يوجبُ
(1) في الأصل:"تنفيرًا".