الاستثناءِ والمستثنى منه، فإنّه تقطعُ، كذلك الجملة المتخللةُ بينَ الاستثناءِ وبينَ الجملةِ الأولى.
فيقالُ: الفصلُ بين الجملةِ والاستثناءِ لا يُسلَّمُ؛ لأنَّ الجملَ كالجملةِ الواحدةِ، على ما بَينّا، والشيءُ الواحدُ لا يحولُ بينهُ وبينَ نفسِه، وكذلك ما أجري مجراه.
ألا ترى أنَّ الجُملَ في بابِ الشرطِ، وهو إذا قال: امرأتي طالقٌ، وعبدي حرٌ ومالي صدقةٌ إن شاءَ الله. أو قال في الخبر أعطِ بني تميم، وبني طَيِّىء كلَّ واحدِ دينارًا إلا الكفارَ، لم يمنعْ ذلك من رجوعِ الاستثناءِ إلى الجميعِ، ولم يحصلْ ذلكَ بمنزلةِ ما لو فصلَ بينهما بالسكوت.
ومنها: أنهُ استثناءٌ تَعقَّبَ جُملتين، فلم يرجعْ بظاهرِه إليهما، كما لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا أربعًا.
فيقالُ: إنَّما لم يرجعْ في هذا إلى الجميع؛ لأنَّ ذلك يُفضي إلى رفعِ الاستثناء للمستثنى منه، وذلك يخرجُهُ عن حقيقةِ الاستثناءِ، وفي ردِّنا للاستثناءِ إلى جميع الجمل لا يرفعُ المستثنى منه؛ لأنَّ التائبين بعضُ المجرمينَ، والتوبةُ حالٌ غَيرُ حال الإصرار.
والذي يوضِّحُ هذا: أنَّ الذي ذكروهُ؛ لو انفردت كل واحدةٍ من الجملِ، وتعقبها الاستثناءُ، لم يرجعْ إليها، وفي مسألتِنا، لو انفردت كل [واحدة] [1] من الجملِ، وتعقَّبها الاستثناءُ رجَع إليها، فدلَّ على الفرقِ بينهما.
وإنَّما اختصَّ الطلاقُ بذلك، لأنَه لا يملكُ منه إلا ثلاثًا فقط، فلو عاد إلى الثلاث لرفعها [2] كلَها، فإنه لو كانَ بدلًا من الطلاقِ أنه قال: له علي ثلاثةُ دراهم، وثلائةُ دراهمَ، وثلاثةٌ إلا أربعةً. صحَّ الاستثناءُ وصارَ كأنَه قال: له علي تسعةُ دراهم
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2) في الأصل:"فرفعها".