فلا يدلُّ، وعساه لوصادفَ القبرَ بعدَ شهرين أيضًا لصلَّى، ومن الذي أعلَمنا أنه كان لا يصلِّي؟ وأيُّ دلالةٍ في الفعلِ على نفي الفعل لو زادَ على الشهرِ؟ وإنما كان يعطي هذا نفيَ الصلاةِ بعد الشهرِ أن تقومَ دلالَة على النهي عن الصلاةِ على القبر, ثم يصلي بعد شهرٍ ويتركُ الصلاةَ على كلِّ قبر عُثرَ عليه بعد مضيِّ زيادةٍ على الشهر, فتجوزُ الصلاةُ على القبرِ بعدَ الشهرِ, ويبقى ما زادَ على الشهرِ على مقتضى الأصلِ من النهي والتركِ، والأفعالُ إذا تكررت على نمطٍ واحدٍ صارَ لها بالدوامِ والعادةِ حكمُ الصيغةِ، مثلُ نقدِ البلد، وتركِ الأكل من الصيدِ، إذ لا يصيرُ الفعل وصفًا إلا بالدوامِ، فأما الصيغةُ، فإنها وضِعت على ما وردت بهِ وضعًا مستقرًا، فما تُلُقِّيَت إلا من وَضعٍ استقرَّ وثبتَ.
فوِزانُه: دوامُ فعله صلى الله عليه وسلم على النمطِ الذي ذكرنا، ومن الذي تقدِر أن يقولَ على النبي صلى الله عليه وسلم أنه [لو] [1] اشعِرَ بموتِ مقبورٍ بعد شهرين ما كان يصلي عليه، حيثُ صلى على ميِّتٍ أُشعرَ به بعد شهرٍ.
والدلالةُ على ذلكَ وأنَّ الأفعالَ لا دليلَ لها: أن إنسانًا لو رأيناه يأخذ خُبزًا سميذًا، ورُطَبًا جنيًا، ويبتاعُ عَبدًا أسودَ، لم يُستدل بذلكَ على أنه لا يأكلُ الخُشارَ ولا الرطبَ البائتَ، ولا يبتاعُ العبدَ الأبيضَ؛ لأنا نُجوَّز أن يكونَ أكَلَ ذلكَ حين ذاكَ؛ لأنه لم يجد سواه، واشترى الأسودَ للمصادفةِ أو الحاجةِ، فأما إذا قال لوكيله: اشترِ لي خبزًا سميذًا، ورُطَبًا جنيًا، وعَبدًا أسود؛ دل ذلك على أن غيرَ الموصوفاتِ بتلك الصفاتِ ليست عنده مساويةً لما قيَّده بالصفات.
ويحتملُ أن تكون دلالةً لأصحابنا ما وقعَ لي؛ وهو أنَّ الصلاةَ في أصل الوضح قبلَ الدفنِ، فإذا دُفن يحتاجُ إلى دليلٍ، فلما صلّى النبي صلى الله عليه وسلم قيل: بقي ما بعدَ ذلكَ على مقتضى الأصلِ، لكن لا يكونُ هذا عَملًا بدليلِ الخطابِ، بل باستصحابِ الحالِ.
(1) زيادة يقتضها السياق.