فهرس الكتاب

الصفحة 1415 من 2579

والسبِّ والضربِ من الأذى والإضرارِ ما يُوفي على التَّضجرِ، أثبتَ الحكمَ في المسكوتِ عنه بما عقَله من علّةِ المنطوقِ به، وهذا هو القياسُ بعينهِ -فليس بلازمٍ؛ لأنَّ هذا لغة وليس بقياسٍ؛ لأنَّ العرب إذا أرادت تركَ التطويلِ والمبالغةَ في الاختصارِ نبَّهت، فأتت بالتنبيهِ على ما زاد عليه، فإذا أرادت إزالةَ المنَّة قالت له: لا تَشرب له الماءَ من عطشٍ. فاكتفت بذلك عن ذكرِ أسباب المننِ، وإذا أرادت وصفَ إنسانٍ بالخَوَرِ والجُبنِ قالت: فُلان تُبكيه اللَّحظةُ [1] وتفزِعه اللفْظَة، ولهذا يوصل بقولها فضلًا عما زاد عليه. والذي يكشفُ ذلك أنَّ المعنى والقياس يحسنُ فيه الاستفهامُ ولا يحسنُ في الأولى الاستفهامُ، فإذا قال السيدُ لعبدِه: لا تَشرب لزيدٍ ماءً من عطشٍ.

فقال العبدُ: فآكُل من طعامِه؟ وأقبلُ عطاياه وهِباتِه؟ وإذا قال له: لا تَقُلْ لأبيكَ الكبيرِ الذي خَلفه الكِبرُ عندك:"أُفٍّ"، فقالَ الولدُ: هل أشتمه أو أضربه؟ لم يحسن ذلك، كما لو قالَ: لا تؤذِه بنوعٍ من أنواعِ الأذايا. وبمثله لو قال: لا تَبعِ الحِنطَةَ بالحنطةِ متفاضلًا، حَسُن أن يقولَ: فهل أبيعُ الشعيرَ بالشعيرِ متفاضلًا؟

فإن قيل: هذا القَدرُ لا يُعطي إلا أن التَنْبيهَ أوضَحُ وأكشفُ معنى، وهو عندنا قياسٌ جَليّ، فله رتبةٌ على القياسِ الخَفي.

قيل: هذا إقراو بأنه يسبقُ إلى الأفهامِ، ودعوى أنه قياس تسمية، وإلا فالقياسُ لا يُفهمُ إلا بأدنى فكرةٍ، وهذا يُعلمُ منه ما ذكرناه بأوَّلِ وهلةٍ وأسرعِ بادرة.

فمن قيل: لو كانَ مُستفادًا من اللفظِ؛ لكفاني يمينُ المنكرِ إذا ادعي عليه دينارٌ أن يقول: لا يَستحق علي حبةً. ولما احتاجَ أن يقولَ: لا يَستحق عينَ ما ادَعاه ولا شيئًا منه. عُلم أنَ ذكرَ الحبةِ ليس يستفادُ به الإنكارُ والنفيُ لفظًا، إذ لو كانَ كذلك؛ لكانَ قولُه: لا يَستحق عَليَّ حبَّةً. قائمًا مقام قوله: لا يَستحق علي ما ادّعاه ولا شيئًا منه.

قيل: لم يكن هذا، لأنه ليس بمستفادٍ من طريقِ فحوى اللفظِ لا المعنى؛ لكن

(1) لحظ إليه: نظر بمؤخرة عينيه من أيِّ جانب كان، يمينًا أو شمالا"اللسان": (الحظ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت