مأمور به في الإجزاء، فكلُّ واحدٍ يحصلُ به الإجزاءُ وبراءةُ الذَمةِ وحصولُ التكفيرِ به، وفي الأصلحِ والمشيئةِ فكُلُّ واحدٍ منها صالحٌ ومرادٌ، فوجبَ تساويها في الإيجابِ، إذ لا مزيّةَ لواحدٍ منها على الآخر. كما لو تناولَها الأمرُ مطلقًا من غيرِ تخيير.
ومن ذلك قولُهم: لو كانَ الواجبُ واحدًا، لنصبَ الله عليه دليلًا، وجعل لنا إليه سبيلًا، ولم يبهمه عنا إبهامًا، مع كونِنا لا نعرفُ الأصلحَ لنا، ولا ما فيه فسادُنا، ألا ترى أن سائرَ الواجباتِ وقتها بمواقيتَ وقدَرها بمقادير، وعينها بما امتازت به عن غيرها، ولم يتركْ للمكلفِ، ولا جعلَ إليه إلا مجرَّد الفعل لذلك المعين الموقّتِ المقدّرِ، فلما لم يعين هاهنا، بل ذكرَ الجملَ الثلاثَ، عُلِمَ أن جميعَها واجبةٌ، فأيها فعلَ كانَ مصادفًا للواجبِ الأصلحِ المأمونِ معه الفسادُ.
ومن ذلك قولُهم: لو كانَ الواجبُ واحدًا، لكانَ إذا كفر ثلاثةٌ من المكلَّفين بالثلاثةِ، فكفَّر كُل واحد من الثلاثة، بواحدٍ عن الذي كفر به الآخر، أنْ يكونَ المكفَرُ بالواجب واحدًا منهم لا بعينه، فلما وقع تكفير كُلّ واحدٍ موقع الوجوب، دل على أنَ الوجوبَ عمَّ الجميعَ، ألا ترى أنَّ القِبلةَ لما كانت واحدةً، والصلاةَ المنسيَّةَ الواحدةَ لما كانت واحدةٌ، لا جرمَ إذا صلَّى ثلاثةٌ إلى ثلاثِ جهاتٍ، أنَّ واحدًا منهم صلى إلى القِبلة، واذا صلَّى ثلاثَ صلواتٍ، إذا كانَ بينهنَّ أنها صلاةُ نهارٍ لأجلَ المنسية، أو خمس صلواتٍ إذا لم يدرِ صلاةَ نهارٍ أم ليلٍ، فإنَ الواجبَ منها واحدةٌ، ولا نقولُ الجميع وقعتْ واجبةً.
ومن ذلكَ قولُهم: إن الوجوبَ قد يعم عددًا من المتعبّدين، ثم يسقطُ بفعلِ الواحدِ منهم، كذلكَ جازَ أن يعم عددًا من العباداتِ،