ونبه على حدوثها ، لأن المتنقل لا ثبات له ، والمستحيل لا بقاء له.
وما كان هذا حاله فغير منفك من دلالة الحدث ، وما لم يخل من
محدِثٍ فمسخّر له ، ومحال أن يكون المسخَّر المُحدَث أزليًّا واجب
الوجود ، فإذن لابد له من موجد يوجده ، وموجده واجب
الوجود ، وذلك هو الباري تعالى ، (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
ونبّه بقوله: (لِأُولِي الْأَلْبَابِ) أن من لم يكن ذا لُبٍّ قلَّ عناؤه فِي التفكُّر فيها ، واللب هو اسم للعقل أزيل عنه الدرن ، وذاك أن العقل وإن كان أشرف
مُدرك من الأشياء فهو فِي الأصل كسيف حديد لم يُطبع ولم يُصقل.
فإذا تُفُقِّد وتُعُهِّد بالحكمة صار كسيف طبع ، فأُزيل خبثه ، وشُحذ
حَدُّه ، وكل موضع يذكر الله تعالى فيه أجلَّ مُدرَكٍ لا يمكن إدراكه
إلا بأجلِّ مُدرِك.
قال بعض الصوفية: هذه المنزلة وإن خُصَّ بها أولوا الألباب فمنزلة الأنبياء والأولياء أشرف منها ، لأنهم ينظرون من خالق السماوات والأرض إليها ، ولهذا قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -
(أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) ، وهذا الذي قاله صحيح.
فإن الإِنسان يمكنه أن يعرف حكمة الصانع أولاً بتدبر
مصنوعه ، ومتى عرف حكمة الصانع حينئذ عرف مصنوعاته
به ، فيصير ما كان دالا مدلولاً ، وما كان مدلولاً دالا ، وبهذا
النظر قال من سُئل: بِمَ عرفت الله ؟ فقال: به عرفت كل ما
سواه.
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191)
الذكر: ذكر باللسان ، وذكر بالقلب.
وذكر القلب ذكران: ذكر عن نسيان ، وهو إعادة ما انحذف عن الحفظ ، وذلك هو التذكر فِي الحقيقة ، وذكر هو إدامة مراعاة ما ثبت فِي الحفظ.