وقيل: نزلت فِي المنافقين المتخلفين عن الجهاد ، المدعين دعاوى يُحبون
أن يُحمدوا عليها ، وكيف ما كان. فالآية عامة فِي النهي عن
الرياء والتشبُّع ، والذمّ لمن فعل خيراً ففرح به ، وإلحاق الوعيد
بمن أحب أن يُحمد بما لم يفعل.
وقد رُوي أنّ إبليس قال: إذا ظفرت من ابن آدم بثلاث لم أطالبه بغيرها:
إذا أُعجب بنفسه ،
واستكثر عمله ، وسُرَّ بمدحه بما لم يفعله.
إن قيل: - فكيف قال عليه السلام:"من سرّته حسنته"
وساءته سيئته فهو مؤمن"؟"
قيل: السرور بذلك محمود ، والفرح به مذموم.
وقد تقدَّم الفرق بينهما ، وبين بقوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
مع أنهم لا ينجون ، فإنهم يعُذَبون عذاباً أليما.
قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(189)
أتبع تكذيبهم فيما قالوا: إن الله فقير. وتبكيتهم
فيما فعلوه ، وما وعدهم به من العذاب بما أنبأ
عن قدرته عز وجل وسعة ملكه.
وأن لا سبيل لهم إلى النجاة وإلى الخروج
عن ملكه وسلطانه ، وهذا هو المعنى
الذي تحرّاه النابغة بقوله:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ...
لكن على الآية رونق الإِلهية وتعميم الملك والقدرة بلا مثنويّة.
وإضافة الفعل إلى موجد الليل والنهار.
قول تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ(190)
نبه تعالى أن التفكر فِي ذلك يدل على وحدانية الله تعالى ، وأن
جميع هذه الأشياء لا تنفك من ثلاثة أضرب:
إمّا موجود العين ، قائم الجوهر ، قابل للانتقال
وتبذل الأمكنة بأجزائه: كالسماء والنجوم.
وإمّا قابلٌ للاستحالة والتغير بجملته وأجزائه.
وذلك كالأرض وما عليها ، وإما أن يكون مما لا بقاء له بحاله.
بل ينصرم ، ويقابله نظيره كالليل والنهار ، وقد ذكر ثلاثتها.