وقال: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} فقيل تفسيره هو أهل التقوى، هو أهل أن يتقى فلا يعفي وهو أهل أن يغفر لمن اتقى أي لا أحد يستحق أن يتقى غيره.
وقال جل ثناؤه {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} وقال (فلا تخافوهم - يعني الشيطان - وخافوني إن كنتم مؤمنين) وذم قوم يخشون غيره فقال {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} فذم هؤلاء كما ذم الذين يتخذون أنداداً من دونه فيحبونهم كحب الله.
فإن ما ذكرنا أن الخوف من الله - تعالى جده - وحده، فمن خاف غيره فإنما صرف إليه حقاً من حقوق ربه، فإما من أخلص للخوف له، فإنه جل جلاله مدحه وأثنى عليه ووعده إلا من يوم الفزع، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} .
وقال: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَآئِزُون} .
وقال: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} .
وقال: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} 1.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «لن يلج النار حتى يكتب من خشية الله حتى يعود اللبن إلى الضرع» .
وأما ما يخص قولنا أن الخوف من الله تعالى إيمان فالدلالة عليه قوله: {وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} .
فلما كانت طاعة الله ورسوله إيماناً كان خوف الله إيماناً.
وقوله جل جلاله: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} فإنه تعالى طالب الخشوع من قد آمن واستطابه فيه لأجل ما قدم من الإيمان.
فدل ذلك على أنه طاعة من الطاعات التي يحرك عليها الإيمان، فوجب أن يكون إيماناً كأمثاله.
ويقدر بهذا أن ضد الخوف الأمن، والأمن من الله تعالى من غير إيمان منه كفر، لأن ذلك لا يقع من صاحبه إلا على أحد أوجه:
إما أن يقدر به عجزاً عن مؤاخذته ويظن به إغفالاً وتصنعاً لأمره.