ثم نسخه - جلَّ جلالُه - قبل أن يمثل رحمة منه وفضلاً بقوله جلَّ قوله:(أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ
تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ... )
المعنى إلى آخره.
وعلى هذا الضرب جاء ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه، وهو قليل، وجاء من
هذا الضرب أيضًا متوجهًا على إبراهيم - عليه السلام - وهو أمره - جلَّ جلالُه - بذبحه ولده، ثم نسخه
-جلَّ جلالُه - عنه قل امتثال الفعل.
والقسم الثاني: يسمى نسخًا تجوزًا، وإنما النسخ الحقيقي ما تقدم ذكره، ولكنه
نسخ لا محالة، وهو ما نسخه الله عنا وقد كان أوجبه على من كان قبلنا في كتابه،
وأمرنا نحن به أمرًا جميلاً، ثم نسخ ذلك عنا بما شاءه، كنسخه التوجه إلى [بيت]
المقدس بالتوجه إلى البيت الحرام، وإنما كان مأمورًا به من كان قبلنا ونزل عليهم
في كتابه.
ثم قال للرسول - صلى الله عليه وسلم - في القرآن العزيز: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)
فوجب عليا اتباعهم حتى ينسخ - جلَّ جلالُه - ما شاء من ذلك بما شاء، في
ذلك قال عز من قائل: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)
أي: ما ننسخ عنكم مما أوجبته على من كان قبلكم من آية نأتِ بخير
منها أو مثلها.
ومن ذلك أيضًا: نسخه - جلَّ جلالُه - وجوب صوم يوم عاشوراء بوجوب شهر رمضان
ونحو هذا، فكان ذلك نسخًا لما تقدم في شرع من كان قبلنا لا نسخًا للقرآن.
والقسم الثالث: الذي ذكروه ما أمر به المسلمون حين الضعف والقلة من
الصبر على الانتصار والمغفرة [لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ] ونحو هذا.
قالوا: ثم نسخ ذلك عنهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد
والقتال ونحو هذا، وهذا ليس بنسخ، وإنما هو في كما قال - عز وجل: (أَوْ نُنْسِهَا)
فالمنسوء هو الأمر بالقتال، وقد تقدم الكلام في هذا.
ألا ترى أنه بقي رسمه إرصادًا للمعنى الذي عناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"بدأ الإسلام"
غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ"."