وقد قسم الله تبارك وتعالى الحق من عباده، فأولاهم بالصواب من عبَّر تفصيل
خطاب عن حقيقة المراد، وقد قال الله جلَّ ذكره: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ
مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) .
وقال جلَّ قوله: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) أي: في قلبك، أي: في
صدرك، و"قرآنه"أي: نجعله قرآنًا عربيًا على لسانك (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ(18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا
بَيَانَهُ (19) . أي: على لسانك وألسنة العلماء من العالمين.
والمحكم على ضربين:
-محكم يقارنه التفصيل: وهو الذي نعرفه نحن بالمجمل، وهي الحروف
المقطعة.
قال الله جل من قائل: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ(1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ). إلى قوله جلَّ قوله: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ (4) .
وقال جلَّ قوله: (حم(1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا
عَرَبِيًّا) وقد تقدم الكلام.
-ومحكم يقارنه المتشابه: وهو قوله جل قوله:(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ
مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)فقد أخبر - جلَّ جلالُه -
أن الآيات المحكمات هن أم الكتاب، وهو معنى ما تقدم ذكره، إذ المجمل هو ما
احتمل فيه الكل، وبالتفصيل يبلغ المراد به.
وهو في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن الله - جلَّ جلالُه - أول ما خلق القلم ثم اللوح"
المحفوظ، فقال للقلم: اكتب، قال: ما أكتب يا رب؟ قال: اكتب علمي في
خلقي"."
فهذا الكتاب احتمل فيه كل شيء كائن وغير كائن، وكيف يكون الكائن ومتى
وبِم، ولِم لا يكون؟ وبأي سبب لا يكون؟ وهل يكون بسب أو لا؟ وكيف يكون
الكائن إذا كان؟ وكيف كأن يكون ما ليس بكائن لو كان هذا إلى ما يعلم الله العليم
الحكيم ولا يعلمه سواه؟.
وفي رواية أخرى: إنه قال جل قوله للقلم:"اكتب"قَالَ:"مَا أَكتب؛ قَالَ:"
"اكتب مقاديرَ كلِّ شيء وَمَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوم القيامة"فالكتاب الأول