ولنرجع إلى ما كنا فيه فقوله: {من كلم الله} التقدير: من كلمه ، فحذف العائد وقرئ كلم الله بالنصب وليس بقوي ؛ فإن كلّ مصلٍّ فإنه يكلم الله قال صلى الله عليه وسلم"المصلي يناجي ربه"وإنما الشرف فِي أن يكلمه الله قال الأشعري: المسموع هو الكلام القديم الأزلي ولا يستبعد سماع ما ليس بحرف ولا صوت ، كما لا يمتنع رؤية ما ليس بمكيف ولا فِي جهة . وقالت المعتزلة: سماع ما ليس بحرف ولا صوت محال . واتفقوا على أن موسى قد كلمه الله واختُلف فِي أن محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج هل كلمه الله أم لا ؛ منهم مَنْ قال نعم بدليل قوله: {فأوحى إلى عبده ما أوحى} [النجم: 10] وأورد ههنا أن التكليم لا يدل على فضل ومنقبة ، فقد كلم الله إبليس حيث قال: {أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين} [الأعراف: 14 ، 15] الآيات ، وأجيب بأن قصة إبليس ليس فيها ما يدل على أنه تعالى كلّمة من غير واسطة ، فلعلّ الواسطة كانت موجودة ، قلت: هذا خلاف الظاهر والحق أن المكالمة قسمان: مكالمة الرضا وهي الموجبة للتشريف كمكالمة موسى ، ومكالمة الغضب وهي الموجبة للعن كما فِي حق إبليس:
{وأن عليك اللعنة إلى يوم الدين} [ص: 78] وكما فِي أهل النار: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون: 108] .