ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم"من قال لأخيه يا كافر فقد باء هو بها"لأنّه إذا نسب أخاه فِي الدين إلى الكفر فقد أخذ فِي أسباب التفريق بين المسلمين وتوليد سبب التقاتل ، فرجع هو بإثم الكفر لأنّه المتسبب فيما يتسبب على الكفر ، ولأنّه إذا كان يرى بعضَ أحوال الإيمان كفراً ، فقد صار هو كافراً لأنّه جعل الإيمان كفراً.
وقال عليه الصلاة والسلام:"فلا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض"، فجعل القتال شعار التكفير.
وقد صم المسلمون عن هذه النصيحة الجليلة فاختلفوا خلافاً بلغ بهم إلى التكفير والقتال ، وأوّله خلاف الردة فِي زمن أبي بكر ، ثم خلاف الحرورية فِي زمن عليّ وقد كفَّروا علياً فِي قبوله تحكيم الحكمي ، ثم خلاف أتباع المقنَّع بخراسان الذي ادعى الإلاهية واتخذ وجهاً من ذهب ، وظهر سنة 159 وهلك سنة 163 ، ثم خلاف القرامطة مع بقية المسلمين وفيه شائِبة مِن الخلاف المذهبي لأنّهم فِي الأصل من الشيعة ثم تطرفوا فكفَروا وادّعوا الحلول أي حلول الرب فِي المخلوقات واقتلعوا الحجر الأسود من الكعبة وذهبوا به إلى بلدهم فِي البحرين ، وذلك من سنة 293.
واختلف المسلمون أيضاً خلافاً كثيراً فِي المذاهب جَرّ بهم تارات إلى مقاتلات عظيمة ، وأكثرها حروب الخوارج غير المكفِّرين لبقية الأمة فِي المشرق ، ومقاتلات أبي يزيد النكارى الخارجي بالقيروان وغيرها سنة 333 ، ومقاتلة الشيعة وأهل السنة بالقيروان سنة 407 ، ومقاتلة الشافعية والحنابلة ببغداد سنة 475 ، ومقاتلة الشيعة وأهل السنة بها سنة 445 ، وأعقبتها حوادث شر بينهم متكررة إلى أن اصطلحوا فِي سنة 502 وزال الشر بينهم ، وقتال الباطنية المعروفين بالإسْمَاعِيلية لأهل السنة فِي سَاوَة وغيرها من سنة 494 إلى سنة 523.
ثم انقلبت إلى مقاتلات سياسية.
ثم انقلبوا أنصاراً للإسلام فِي الحروب الصليبية ، وغير ذلك من المقاتلات الناشئة عن التكفير والتضليل.