(فصل)
ولم نورد ما أوردناه غضّاً على أحد من أنبياء الله صلى الله عليهم وسلم, ولا تنقصاً بأحد منهم, ونعوذ بالله تعالى من ذلك, ومن خطوره بالبال أيضاً, ولكن رأينا الله سبحانه قد فضّل بعض النّبيّين على بعض, ورفع بعضهم فوق بعض درجات, ووقع إلينا من أخبارهم وأحوالهم ما وقع, تبيّن لنا فضل نبيّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - عليهم, وعرفنا من فضل بعضهم على بعض ما أشرنا إليه في هذا الكتاب, مع أن كلّهم كان عند الله وجيهاً, وكان كل منهم نبيّاً نبيهاً صلى الله عليهم وبارك وسلم؛ وأمّا ما جاء من قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا تفضّلوني على يونس بن متى» ومن قوله: «لا تفضّلوا بين أنبياء الله» فإن ذلك وقع منه - صلى الله عليه وسلم - في قضايا معيّنة كان مضمونها تفضيله والإزراء على غيره فغضب لذلك ونهى عن التفضيل على هذا الوجه وقد صحّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر بيدي لواء الحمد يوم القيامة آدم فمن بعده تحت لوائي ولا فخر» .
(فصل)
فأمّا فضله - صلى الله عليه وسلم - على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فمن ذلك ما روى البخاري من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهُن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر, وجُعلَتْ لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً فأيّما رجلٍ من أُمّتي أدركَتْه الصَّلاة فليُصلّ, وأُحِلَّتْ لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي, وأُعطِيتُ الشّفاعةَ, وكان النّبيّ يُبعث إلى قومه خاصّةً وبُعِثتُ إلى النّاس عامّة» , وروى أيضاً عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «بُعِثتُ بجوامع الكَلِم, ونُصِرتُ بالرعب, وبينا أنا نائمٌ رَأيتُني أُتيتُ بمفاتيح خزائن الأرض فَوُضِعَت في يدي» والحديثان في الصحيحين وغيرهما؛ وفي مسند الإمام أحمد وغيره عن أبي ذرّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهنّ أحد قبلي: بُعثتُ إلى الأحمر والأسود, وجُعلَتْ لي الأرض طَهُوراً ومسجداً, وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي, ونُصِرتُ بالرّعب فيُرعَب العدوّ وهو منّي على مسيرة شهر, وقيل لي: سل تعطه فاختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمّتي فهي نائلة منكم إن شاء الله من لم يشرك بالله شيئاً»