مِنْهُ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا فِي التَّخَلُّفِ عَنْ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ لِقَائِهِ الْعَدُوَّ، وَمُنَاهَضَتِهِ أَهْلَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَبِهِ عَلَى مِثْلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تَخَلُّفِهِمْ عَنْ مَلِكِهِمْ طَالُوتَ، إِذْ زَحَفَ لِحَرْبِ عَدُوِّ اللَّهِ جَالُوتَ، وَإِيثَارِهِمُ الدَّعَةَ، وَالْخَفْضَ عَلَى مُبَاشَرَةِ حَرِّ الْجِهَادِ، وَالْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَشَحْذٌ مِنْهُ لَهُمْ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى مُنَاجَزَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ الْحَرْبَ، وَتَرْكِ تَهَيُّبِ قِتَالِهِمْ إِنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ وَكَثُرَ عَدَدُ أَعْدَائِهِمْ وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُمْ، بِقَوْلِهِ: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} وَإِعْلَامٌ مِنْهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ أَنَّ بِيَدِهِ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ، وَالْخَيْرَ وَالشَّرَّ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ} فَإِنَّهُ يَعْنِي لِلْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: {ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وَقَوْلِهِ: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ} إِنَّ عَلَامَةَ مُلْكِ طَالُوتَ الَّتِي سَأَلْتُمُونِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى صِدْقِي فِي قَوْلِي: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ عَلَيْكُمْ مَلِكًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ سِبْطِ الْمُمَلَّكَةِ {أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} وَهُوَ التَّابُوتُ الَّذِي كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا لَقُوا عَدُوًّا لَهُمْ قَدَّمُوهُ أَمَامَهُمْ وَزَحَفُوا مَعَهُ، فَلَا يَقُومُ لَهُمْ مَعَهُ عَدُوٌّ وَلَا يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ نَاوَأَهُمْ، حَتَّى مَنَعُوا أَمْرَ اللَّهِ وَكَثُرَ اخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَسَلَبَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ يَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ، حَتَّى سَلَبَهُمْ آخِرَ مَرَّةٍ فَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَنْ يُرَدَّ إِلَيْهِمْ آخِرَ الْأَبَدِ.