وَقَوْلُهُ: {تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا وَأَيَّامَ أَقْرَائِهَا} لَمْ يَتَقَدَّمْ عِنْدَ السَّامِعِينَ عَدَدُ أَيَّامِهَا ، فَيَكُونُ ذِكْرُ الْأَيَّامِ رَاجِعًا إلَيْهَا دُونَ مَا تَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْعَدَدِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْأَيَّامِ قَدْ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا وَقْتًا مُبْهَمًا ، كَمَا يُطْلَقُ اسْمُ اللَّيَالِي عَلَى وَقْتٍ مُبْهَمٍ ، وَلَا يُرَادُ بِهِ سَوَادُ اللَّيْلِ ، فَإِذَا تَقَدَّمَتْ مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ الْمُضَافِ إلَيْهِ الْأَيَّامُ فَذِكْرُ الْأَيَّامِ فِيهِ بِمَعْنَى الْوَقْتِ الْمُبْهَمِ الَّذِي لَا يُرَادُ بِهِ عَدَدٌ ؛ قَالَ الشَّاعِرُ: لَيَالِيَ تَصْطَادُ الرِّجَالَ بِفَاحِمِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ سَوَادَ اللَّيْلِ دُونَ بَيَاضِ النَّهَارِ.
وَقَالَ آخَرُ: وَأَذْكُرُ أَيَّامَ الْحِمَى ثُمَّ أَنْثَنِي عَلَى كَبِدِي مِنْ خَشْيَةٍ أَنْ تَصَدَّعَا وَلَيْسَتْ عَشِيَّاتُ الْحِمَى بِرَوَاجِعٍ إلَيْك وَلَكِنْ خَلِّ عَيْنَيْكَ تَدْمَعَا وَلَمْ يُرِدْ بِذِكْرِ الْأَيَّامِ بَيَاضَ النَّهَارِ ، وَلَا بِذِكْرِ الْعَشِيَّاتِ أَوَاخِرَهُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ وَقْتًا قَدْ تَقَرَّرَتْ مَعْرِفَتُهُ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ ؛ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ} وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَوَّلَ النَّهَارِ دُونَ آخِرِهِ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ: أَصْبَحَتْ عَاذِلَتِي مُعْتَلَّهْ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الصَّبَاحَ دُونَ الْمَسَاءِ.