وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ السُّؤَالُ فِي حَالِ نُزُولِ الْآيَةِ عَقِيبَهَا لَاكْتَفَى بِمَا ذَكَرَهُ أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ".
وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سُؤَالَ عُمَرَ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ لَوْ تَعَارَضَ حَدِيثُ عُمَرَ وَحَدِيثُ أَنَسٍ لَكَانَ حَدِيثُ عُمَرَ أَوْلَى بِالِاسْتِعْمَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ حَظْرِ الْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ، وَفِي ظَاهِرِ حَدِيثِ أَنَسٍ الْإِبَاحَةُ ، وَالْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ إذَا اجْتَمَعَا فَالْحَظْرُ أَوْلَى.
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، وَهُوَ أَنَّ خَبَرَ عُمَرَ يَعْضُدُهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} ، وَخَبَرُ أَنَسٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ ، وَمَا يُوَافِقُ الْقُرْآنَ مِنْ الْأَخْبَارِ فَهُوَ أَوْلَى مِمَّا يَخُصُّهُ.
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، وَهُوَ أَنَّ خَبَرَ أَنَسٍ مُجْمَلٌ عَامٌّ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ إبَاحَةِ مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ ، وَخَبَرُ عُمَرَ مُفَسِّرٌ فِيهِ بَيَانٌ لِحُكْمِ الْمَوْضِعَيْنِ مِمَّا تَحْتَ الْإِزَارِ وَمَا فَوْقَهُ ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ بَيَانِ مَعْنَى الْحَيْضِ وَمِقْدَارِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْحَيْضُ اسْمٌ لِمِقْدَارٍ مِنْ الدَّمِ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ ، مِنْهَا: تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَحَظْرُ الْجِمَاعِ وَانْقِضَاءُ الْعِدَّةِ وَاجْتِنَابُ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ، وَتَصِيرُ الْمَرْأَةُ بِهِ بَالِغَةً.