الحكمة من منع زواج المسلمة من كتابي أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فالزوج له قوامة على زوجته، وهذا ممنوع في حق الكافر، قال تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} ثم إنه لا يُؤمَن على المرأة -وهي تميل إلى العاطفة أكثر من الرجل- أن تتأثر بزوجها إذا دعاها لدينه، وكذلك لا يؤمن على الأولاد أن يتابعوا أباهم على كفره، فهذه بعض الحِكم من منع زواج المسلمة بالكتابي، أما زواج المسلم بالكتابية فليست فيه هذه المفاسد فالقوامة للمسلم، وقد يؤثر عليها فيهديها اللَّه تعالى على يديه، كما أنه مكلف بتنشئة أولاده تنشئة إسلامية تقيهم متابعة أمهم في دينها، وإذا قصر في ذلك فهو محاسب أمام اللَّه، كما أن المسلم إذا تزوج كتابية فهو يؤمن بكتابها -غير المبدل- ورسولها، فيكوَّن معها أساسًا للتفاهم في الجملة يمكن معه للحياة أن تستمر، أما الكتابي فإذا تزوج بمسلمة فهو لا يؤمن بدينها ولا أحكامه إطلاقًا، ولا مجال للتفاهم معه في أمر لا يؤمن به كلية، وبالتالي فلا مجال للتفاهم والوئام، ولهذا منع هذا الزوج ابتداء.
فللمسلم أن يتزوج باليهودية أو النصرانية، وليس لليهودي أو النصراني أن يتزوج بالمسلمة، وقد بيَّن الباري جل وعلا السبب بقوله: {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} أي: يدعون إلى الكفر الذي هو سبب دخول نار جهنم، فالرجل له سلطة وولاية على المرأة، فربما
أجبرها على ترك دينها وحملها على أن تكفر بالإسلام، والأولاد يتبعون الأب. فإذا كان الأب نصرانيًا أو يهوديًا ربّاهم على اليهودية أو النصرانية، فيصير الولد من أهل النار. ومن ناحية أخرى، فإن المسلم يعظّم موسى وعيسى عليهما السلام، ويؤمن برسالتهما ويعتقد بالتوارة والإنجيل التي أنزلها اللَّه ولا يحمله إيمانه على إيذاء زوجته (اليهودية) أو (النصرانية) مثلًا بسبب العقيدة؛ لأنه يلتقي معها على الإيمان باللَّه، وتعظيم رسله، فلا يكون اختلاف الدين سببًا للأذى أو الاعتداء، بخلاف غير المسلم الذي لا يؤمن بالقرآن ولا برسالة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فإن عدم إيمانه يدعوه إلى إيذاء المسلمة والاستخفاف بدينها.