هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام، مع علمه تعالى بشدة هذه الفريضة عليهم، وكثرة مشقتها لما يترتب عليها من قتل، أو جرح. ولما يكون فيها من مشقة سفر وتنقل، ومجالدة عدو. ولكن الله عزّ وجل لا يفرض ما يفرض مراعاة لما يحب عباده أو يكرهون. بل مراعاة لما هو المصلحة لهم في دنياهم وأخراهم. إذ قد يكره العبد شيئا، وفيه الخير. وقد يحب شيئا وفيه الشر. والله وحده هو الذي يعلم، وغيره لا يعلم. فمن ثم هو الذي يشرع. ولا حق لغيره أن يشرع. وفي موضوعنا: ترك القتال، يعقبه استيلاء الكفرة على البلاد والحكم. ويترتب عليه تعطيل أحكام الله. ويترتب عليه اغتيال العقيدة، والشريعة.
وفي القتال تكون كلمة الله هي العليا. وفي ذلك الخير كل الخير.
المعنى الحرفي:
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ: أي فرض وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ أي: وهو مكروه لكم. ووضع المصدر محل اسم المفعول لتبيان فرط الكراهية. وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ: ككراهة للقتال، مع أن فيه إحدى الحسنيين: إما الظفر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة. وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ: كحبنا
للقعود عن القتال مع ما فيه من الذل، والفقر، واستئصال الحق، وحرمان الغنيمة والأجر. وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ: أي هو أعلم بما هو خير لكم. وهو أعلم بعواقب الأمور منكم. والأعلم بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم. فاستجيبوا له وانقادوا لأمره.
فوائد:
1 -قال الزهري: (الجهاد واجب على كل أحد غزا، أو قعد، فالقاعد عليه إذا استعين، أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث. وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه، قعد) . قال ابن كثير: ولهذا ثبت في الصحيح: «من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات ميتة جاهلية» . وقال صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: «لا هجرة بعد الفتح.
ولكن جهاد ونية. وإذا استنفرتم فانفروا».